Vol. 1 · p. 149 / 963
نشأ أبو عبيد في هراة وبها تعلم إلى أن بلغ سن العشرين، فدعاه حبّه للعلم وشغفه بالمعرفة إلى الخروج من هراة، فتحوّل سنة ١٧٩ هـ/ ٧٩٥ م إلى كلّ من الكوفة والبصرة وبغداد، وقد سمع عن فقهائها ونحاتها ومفسّريها الشيء الكثير. فكان حريصا على ملازمة المحدّثين والرواة، كلفا بعلوم القرآن والقراءات، دائم الاتّصال باللغويّين والنحاة. ولئن اختلفت مذاهب شيوخه وتنوّعت، وتعدّدت مناهجهم وتباينت، فقد ظلّ أبو عبيد وفيًّا لهم جميعا يأخذ عن هذا الفريق وذاك، ويجلس إلى دروسهم بانتظام كوفيّين وبصريّين على السواء، همّه الوحيد الجمع والتحصيل والرسوخ في العلم .
ورجع إلى هراة مسقط رأسه بعد رحلة طويلة مكنته من جمع أصناف من العلم وتأليف الكثير من الكتب في اللغة والفقه والحديث وعلوم القرآن والقراءات. ولقد عمل بها مؤدّبا في أسرتين من خراسان، ثم سُمّي قاضيا على مدينة طرطوس سنة ١٩٢ هـ/ ٨٠٧ م، وظلّ في هذا المنصب ثمانية عشر عاما انتقل اثرها إلى بغداد قصد الإقامة بها. ولم يمض وقت طويل حتّى تعرّف على عبد اللّه بن طاهر أمير خراسان فقرّبه وأصبح وليّ نعمته. وقام أبو عبيد بفريضة الحجّ سنة ٢١٩ هـ/ ٨٣٤ م، وأقام بمكّة إلى أن توفّي سنة ٢٢٤ هـ/ ٨٣٨ م وقد بلغ من العمر سبعا وستين سنة.