p. 208205 / 216
السورة التي يذكر فيها النصر
قوله تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ﴾ [١] قال: إذا جاء نصر الله لدينك والفتح لدينك.
﴿وَرَأَيْتَ النّاسَ﴾ [٢] وهم أهل اليمن. ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً﴾ [٢] زمرا، القبيلة بأسرها، والقوم بأجمعهم، فانصر روحك على نفسك بالتهيؤ للآخرة لأنه منها، فالنفس تريد الدنيا لأنها منها، والروح تريد الآخرة لأنه منها، فانصر على النفس وافتح له باب الآخرة بالتسبيح والاستغفار لأمتك. وكان يستغفر بعد ذلك ويسبح بالغداة مائة مرة، وبالعشي مائة مرة، واجتهد في العبادة ليلا ونهارا حتى تورمت قدماه، واحمرت عيناه، واصفرت وجنتاه، وقلّ تبسمه، وكثر بكاؤه وفكرته.
وقد حكي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لما نزلت هذه السورة واستبشر بها أصحاب النبي ﷺ بكى أبو بكر ﵁ بكاء شديدا فقال له رسول الله ﷺ: «ما يبكيك؟ قال: نعيت لك نفسك يا رسول الله. فقال له النبي ﷺ: صدقت»، ثم قال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» ، وهذا تعليم لأمته بالدين والتسبيح. وقد قال الربيع بن خيثم رحمه الله تعالى: أقلوا الكلام إلا من تسع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وقراءة القرآن، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، ومسألة خير، وتعوذ من شر .
﴿إِنَّهُ كانَ تَوّاباً﴾ [٣] أي رجاعا يقبل التوبة، كلما تاب العبد إليه. واعلم أن إلهنا أكرم من أن يكون معك على نفسك، فإنه قال: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فإن كنت عليها كان معها بالعفو، وإن كنت معها على أمر الله ونهيه كان عليك، فمن وافق أمر الله على هواه كان ناجيا، ومن وافق هواه على أمر الله كان هالكا، وإنّ أمر الله تعالى مرّ وهوى النفس حلو، فما مثالها إلا كالأطعمة اللذيذة قد يحصل فيها الصبر، والدواء يشرب مع مرارته لما جعل فيه من المنافع. وكان بعض الصالحين يقول: وا سوأتاه، وإن عفوت. فمنهم من يحذر الرد، ومنهم من يبكي خجلا، وإن عفي عنه. والله ﷾ أعلم.