p. 4138 / 216
قوله: «اخسئوا» تباعدوا عني، يقال للكلب اخسأ على كمال البعد والطرد، وبهذا عاقبهم في آخر عقوباته إياهم، كقوله: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. قوله تعالى: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ﴾ [٢٣٨] أي داوموا على إقامتها. وأما قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ [النور: ٥٦] فعلى وجهين أحدهما الإقرار بها من غير تصديق، كما قال في براءة:
﴿فَإِنْ تابُوا﴾ [التوبة: ٥] أي من الشرك، ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ [التوبة: ٥] يعني وأقروا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وكقوله: ﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] ومواليكم، ونظيرها في السجدة . والوجه الثاني: الإقامة، كما قال في المجادلة: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ [المجادلة: ١٣]، ونظيرها في المزمل .
وقال في المائدة : ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [المائدة: ٥٥] أي يتمونها. وسئل عن قوله:
﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾ [٢٣٨] ما معنى ذكرها مفردة؟ قال: إنما أفردها لاختصاص من الصلوات وإن كانت داخلة في جملتها، كما انفرد جبريل وغيره بالذكر لاختصاصهم من جملة الملائكة.
قال: وفيها وجه آخر، وهو أن أوقات سائر الصلوات مشهورة عند العالم والجاهل، فعلامتها واضحة، ووقت العصر أخفى، فحثّ على مراعاتها في وقتها بما خصها من الذكر. قوله:
﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ [٢٣٨] أي قاموا لله في الصلاة مطيعين. فكم من مصلّ غير مطيع كالمنافق ونحوه. وسئل النبي ﷺ أي الصلاة أفضل؟ فقال: «طول القنوت أي طول القيام» ، وقال زيد بن أرقم ﵁: القنوت السكوت، لأنا كنا نتكلم في الصلاة، فأنزل الله تعالى:
﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ [٢٣٨] فأمسكنا عن الكلام . وكان محمد بن سوار يقول: القنوت الوتر، سمي قنوتا لقيام الرجل فيه بالدعاء من غير قراءته القرآن، بل هو التعظيم بالدعاء.