p. 719714 / 945
في اجتهاده، وأمَّا هذا التَّابعُ، فقد شابَ انتصارَه لما يظنُّه الحقَّ إرادة علوِّ متبوعه، وظهور
كلمته، وأنْ لا يُنسَبَ إلى الخطأ، وهذه دسيسةٌ تَقْدَحُ في قصد الانتصار للحقِّ، فافهم هذا، فإنَّه فَهْمٌ عظيم، والله يهدي مَنْ يشاء إلى صراطٍ مستقيم.
وقوله: «ولا تدابروا» قال أبو عبيد: التَّدابر: المصارمة والهجران، مأخوذ من أن يُولِّي الرَّجلُ صاحبَهُ دُبُرَه ، ويُعرِض عنه بوجهه، وهو التَّقاطع.
وخرَّج مسلم من حديث أنسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ، قال: «لا تحاسدُوا، ولا تَبَاغَضُوا، ولا تَقَاطعُوا، وكونوا عِبادَ الله إخواناً كما أمركُم الله». وخرَّجه أيضاً بمعناه من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ.
وفي " الصحيحين " عن أبي أيوب، عن النَّبيِّ ﷺ، قال: «لا يَحِلُّ لمسلمٍ أنْ يهجرَ أخاه فوق ثلاثٍ، يلتقيان، فيصدُّ هذا، ويصدُّ هذا، وخيرُهما الَّذي يَبدأ بالسَّلام».
وخرَّج أبو داود من حديث أبي خراش السُّلميِّ، عن النَّبيِّ ﷺ، قال: «مَنْ هَجر أخاه سنةً، فهو كسفكِ دمه».
وكلُّ هذا في التَّقاطع للأمورِ الدُّنيويَّة،
فأمَّا لأجلِ الدِّين، فتجوزُ الزِّيادةُ على الثلاثِ ، نصَّ عليه الإمام أحمدُ، واستدلَّ بقصَّةِ الثَّلاثةِ الَّذينَ خُلِّفوا، وأمر النَّبيُّ ﷺ بهجرانهم لمَّا خاف منهمُ النِّفاق، وأباح هِجران أهلِ البدع المغلَّظة والدعاة إلى الأهواء، وذكر الخطابي أنَّ هِجران الوالدِ لولده، والزَّوج لزوجته، وما كان في معنى ذلك تأديباً تجوزُ الزِّيادة فيه على الثَّلاث؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ هجر نساءه شهراً .