p. 714709 / 945
وقسم آخر إذا حسد لم يتمنَّ زوال نعمة المحسود، بل يسعى في اكتساب مثل فضائله، ويتمنَّى أنْ يكونَ مثله، فإن كانتِ الفضائلُ دنيويَّةً، فلا خيرَ في ذلك، كما قال الَّذينَ يُريدُونَ الحياةَ الدُّنيا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ ، وإنْ كانت فضائلَ دينيَّةً، فهو حسن، وقد تمنَّى النَّبيُّ ﷺ الشَّهادة في سبيل الله ﷿. وفي " الصحيحين " عنه ﷺ، قال: «لا حسدَ إلاَّ في اثنتين:
رجلٌ آتاه اللهُ
مالاً، فهو يُنفقه آناء الليل وآناء النَّهار، ورجلٌ آتاهُ اللهُ القرآن، فهو يقومُ به آناء اللَّيل وآناءَ النَّهار»، وهذا هو الغبطة، وسماه حسداً من باب الاستعارة.
وقسم آخر إذا وجدَ من نفسه الحسدَ سعى في إزالته، وفي الإحسان إلى المحسود بإسداءِ الإحسان إليه، والدُّعاء له، ونشر فضائله، وفي إزالة ما وَجَدَ له في نفسه مِنَ الحسدِ حتّى يبدلَه بمحبَّة أنْ يكونَ أخوه المسلمُ خيراً منه وأفضلَ، وهذا مِنْ أعلى درجات الإيمان، وصاحبه هو المؤمنُ الكاملُ الذي يُحبُّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه، وقد سبق الكلام على هذا في تفسير حديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» .
وقوله ﷺ: «ولا تناجَشوا»: فسَّره كثيرٌ من العلماء بالنَّجْشِ في البيع، وهو: أن يزيدَ في السِّلعة من لا يُريدُ شِراءها ، إمَّا لنفع البائع بزيادةِ الثَّمن له، أو بإضرارِ المشتري بتكثير الثمن عليه، وفي " الصحيحين " عن ابنِ عمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه نهى عن النَّجش.
وقال ابن أبي أوفى: النَّاجش: آكلُ ربا خائنٌ، ذكره البخاري .