p. 209201 / 696
تحيَّر فيه تحيُّرَ المفتون، وصار كالحِمار في الطَّاحون، وإنْ شاهَدَ المُذاكَرةَ سَمِع ما ليس في وُسْعِه الجَرَيانُ فيه، فلجأَ إلى الإزراء بفرسانِه، واعتصم بالطَّعن على الرَّاكضين في مَيْدانِه.
ولو عَرف الطَّاعِنُ على أهل الرِّحلةِ مقدارَ لذَّةِ الرَّاحل في رحلتِه، ونشاطِه عند فصولِه مِن وطنِه، واستلذاذِ جميعِ جوارحِه عند تصرُّفِ لحظاتِه في المناهِلِ والمنازل والبُطنان
والظواهر، والنظرِ إلى دَساكِر الأقطار وغِيَاضِها وحدائقِها ورِياضِها، وتصفُّحِ الوجوه، واستماعِ النَّغَم، ومشاهدةِ ما لم يَرَ مِن عجائبِ البُلدان، واختلافِ الألسنةِ والألوانِ، والاستراحةِ في أَفْياءِ الحِيطان وظِلالِ الغِيطان ، والأكلِ في المساجد، والشُّرب مِن الأَوْدِية، والنَّوْم حيث يُدركه الليلُ، واستصحابِ مَن يُحبُّ في ذات الله بسقوط الحِشْمة ، وتَرْكِ التصنُّع، وكُنْهِ ما يصل إلى قلبه من السرور عند ظَفَرِه ببُغْيَتِه، ووصولِه إلى مَقْصَدِه ،