Vol. 1 · p. 199205 / 7,453
الْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إِنَّمَا لَمْ يَقْتُلْهُمْ لِأَنَّ الزِّنْدِيقَ وَهُوَ الَّذِي يُسِرُّ الْكُفْرَ وَيُظْهِرُ الْإِيمَانَ يُسْتَتَابُ وَلَا يُقْتَلُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا وَهْمٌ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْتَتِبْهُمْ وَلَا نَقَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ إِنَّ اسْتِتَابَةَ الزِّنْدِيقِ وَاجِبَةٌ «١» وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُعْرِضًا عَنْهُمْ مَعَ عِلْمِهِ بِهِمْ. فَهَذَا الْمُتَأَخِّرُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الَّذِي قَالَ: إِنَّ اسْتِتَابَةَ الزِّنْدِيقِ جَائِزَةٌ «٢» قَالَ قَوْلًا لَمْ يَصِحَّ لِأَحَدٍ. الْقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّمَا لَمْ يَقْتُلْهُمْ مَصْلَحَةً لِتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ عَلَيْهِ لِئَلَّا تَنْفِرَ عَنْهُ، وَقَدْ أَشَارَ ﷺ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ لِعُمَرَ: (مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَقَدْ كَانَ يُعْطِي لِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مَعَ عِلْمِهِ بِسُوءِ اعْتِقَادِهِمْ تَأَلُّفًا، وَهَذَا هُوَ قَوْلُ عُلَمَائِنَا وَغَيْرِهِمْ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. وَهِيَ طَرِيقَةُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ﵀ فِي كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُنَافِقِينَ، نَصَّ عَلَى هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ وَالْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ والأبهري وَابْنُ الْمَاجِشُونَ، وَاحْتُجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:" لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ «٣» " [الأحزاب: ٦٠] إلى قوله:" وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا" [الأحزاب: ٦١]. قَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ إِذَا هُمْ أَعْلَنُوا النِّفَاقَ. قَالَ مَالِكٌ ﵀: النِّفَاقُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هو الزَّنْدَقَةُ فِينَا الْيَوْمَ، فَيُقْتَلُ الزِّنْدِيقُ إِذَا شُهِدَ عَلَيْهِ بِهَا دُونَ اسْتِتَابَةٍ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا كَفَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُنَافِقِينَ لِيُبَيِّنَ لِأُمَّتِهِ أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ، إِذْ لَمْ يُشْهَدْ عَلَى الْمُنَافِقِينَ. قَالَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ: لم يشهد على عبد الله «٤» ابن أُبَيٍّ إِلَّا زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَحْدَهُ، وَلَا عَلَى الْجُلَاسِ «٥» بْنِ سُوَيْدٍ إِلَّا عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ رَبِيبُهُ، وَلَوْ شَهِدَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ رَجُلَانِ بِكُفْرِهِ وَنِفَاقِهِ لَقُتِلَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ مُحْتَجًّا لِلْقَوْلِ الْآخَرِ: السُّنَّةُ فِيمَنْ شُهِدَ عليه بالزندقة فجحد