Vol. 1 · p. 498575 / 3,211
والثاني:
إِنَّ الْعَزِيمَةَ رَاجِعَةٌ إِلَى أَصْلٍ فِي التَّكْلِيفِ كُلِّيٍّ؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ عَامٌّ عَلَى الْأَصَالَةِ فِي جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، وَالرُّخْصَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى جُزْئِيٍّ بِحَسَبِ بَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ مِمَّنْ لَهُ عُذْرٌ، وَبِحَسَبِ بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَبَعْضِ الْأَوْقَاتِ فِي أَهْلِ الْأَعْذَارِ، لَا فِي كُلِّ حَالَةٍ وَلَا فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَلَا لِكُلِّ أَحَدٍ؛ فَهُوَ كَالْعَارِضِ الطَّارِئِ عَلَى الْكُلِّيِّ، وَالْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ فِي مَوْضِعِهَا أَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَ أَمْرٌ كُلِّيٌّ وَأَمْرٌ جُزْئِيٌّ؛ فَالْكُلِّيُّ مُقَدَّمٌ؛ لِأَنَّ الْجُزْئِيَّ يَقْتَضِي مَصْلَحَةً جُزْئِيَّةً، وَالْكُلِّيَّ يَقْتَضِي مَصْلَحَةً كُلِّيَّةً، وَلَا يَنْخَرِمُ نِظَامٌ فِي الْعَالَمِ بِانْخِرَامِ الْمَصْلَحَةِ الْجُزْئِيَّةِ بِخِلَافِ مَا إِذَا قُدِّمَ اعْتِبَارُ الْمَصْلَحَةِ الْجُزْئِيَّةِ؛ فَإِنَّ الْمَصْلَحَةَ الْكُلِّيَّةَ يَنْخَرِمُ نِظَامُ كُلِّيَّتِهَا، فَمَسْأَلَتُنَا كَذَلِكَ؛ إِذْ قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْعَزِيمَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَمْرٌ كُلِّيٌّ ثَابِتٌ عَلَيْهِ، وَالرُّخْصَةُ إِنَّمَا مَشْرُوعِيَّتُهَا أَنْ تَكُونَ جُزْئِيَّةً، وَحَيْثُ يَتَحَقَّقُ الْمُوجَبُ، وَمَا فَرَضْنَا الْكَلَامَ فِيهِ١ لَا يَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ صُورَةٍ تُفْرَضُ إِلَّا وَالْمُعَارِضُ الْكُلِّيُّ يُنَازِعُهُ؛ فَلَا يُنْجِي مِنْ طَلَبِ الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ إِلَّا الرُّجُوعُ إلى الكلي، وهو العزيمة.
والثالث:
مَا جَاءَ فِي الشَّرِيعَةِ مِنَ الْأَمْرِ٢ بِالْوُقُوفِ مَعَ مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مُجَرَّدًا، وَالصَّبْرِ عَلَى حُلْوِهِ وَمُرِّهِ، وَإِنِ انْتَهَضَ مُوجِبُ الرُّخْصَةِ، وَأَدِلَّةُ ذَلِكَ لَا تَكَادُ تَنْحَصِرُ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٧٣] ؛ فَهَذَا مَظِنَّةُ التَّخْفِيفِ، فَأَقْدَمُوا٣ عَلَى الصَّبْرِ وَالرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ؛ فَكَانَ عَاقِبَةُ ذَلِكَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ به٤.