Vol. 1 · p. 334411 / 3,211
وَالثَّانِي, عَلَى تَسْلِيمِ وُرُودِهِ: أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعلم قَطْعًا أَنَّهُمْ حَازُوا هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ وَاسْتَيْقَنُوهَا حَالًا وَعِلْمًا، وَلَكِنَّهُ ﵇ نَدَبَهُمْ إِلَى الدُّخُولِ فِي الْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لِمَصَالِحِ الدُّنْيَا، كَمَا أَمَرَهُمْ بِالْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لِمَصَالِحِ الْآخِرَةِ، وَلَمْ يَتْرُكْهُمْ مَعَ هَذِهِ الْحَالَةِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ مَا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ لَا يُعْتَدُّ بها مقاما يقام١ فِيهِ؛ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ, ﵊: "قَيِّدْهَا وَتَوَكَّلْ" ٢؟!
وَأَيْضًا؛ فَأَصْحَابُ هَذِهِ الْحَالَةِ هُمْ أَهْلُ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، وَلَمْ يَتْرُكُوا مَعَهَا التَّسَبُّبَ تَأَدُّبًا بِآدَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانُوا أَهْلَ عِلْمٍ، وَلَمْ يَكُونُوا لِيَتْرُكُوا الْأَفْضَلَ إِلَى غَيْرِهِ.
وَأَمَّا الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ:
وَهِيَ مَرْتَبَةُ الِابْتِلَاءِ؛ فَالتَّسَبُّبُ فِيهَا أَيْضًا ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الْأَسْبَابَ قَدْ صَارَتْ عِنْدَ صَاحِبِهَا تَكْلِيفًا يُبْتَلَى بِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْأَسْبَابِ الْعِبَادِيَّةِ دُونَ الْعَادِيَّةِ، فَكَمَا أَنَّ الْأَسْبَابَ الْعِبَادِيَّةَ لَا يَصِحُّ فِيهَا التَّرْكُ اعْتِمَادًا عَلَى الَّذِي سَبَّبَهَا مِنْ حَيْثُ كَانَتْ مَصْرُوفَةً إِلَيْهِ؛ كَذَلِكَ الْأَسْبَابُ الْعَادِيَّةُ، وَمِنْ هُنَا لَمَّا قَالَ ﵇: "مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا وَقَدْ عَلِمَ مَنْزِلَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَلِمَ نَعْمَلُ؟ أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: "لَا، اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [اللَّيْلِ: ٥] إِلَى آخِرِهَا٣؛ فَكَذَلِكَ الْعَادِيَّاتُ؛ لِأَنَّهَا عبادات، فهي عنده جارية على الأحكام