Skip to main content
← Arabic Library

تفسير ابن كثير - ت السلامة

ابن كثير (ت 774هـ)

التفسير4,588 pages9 volumesPagination matches the printed edition

Vol. 1 · p. 564613 / 4,588
وقوله: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ) أي: هو أعوج المقال، سيّئ الفعَال، فذلك قوله، وهذا فعله: كلامه كَذِب، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة. والسعي هاهنا هو: القَصْد. كما قال إخبارًا عن فرعون: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٢ - ٢٦]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] أي: اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسي إلى الصلاة منهيّ عنه بالسنة النبوية: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تَسْعَوْن، وأتوها وعليكم السكينةُ والوقار". فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض، وإهلاك الحرث، وهو: مَحل نماء الزروع والثمار والنسل، وهو: نتاج الحيوانات الذين لا قوَام للناس إلا بهما. وقال مجاهد: إذا سُعى في الأرض فسادًا، منع الله القَطْرَ، فهلك الحرث والنسل. (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ) أي: لا يحب من هذه صفَته، ولا من يصدر منه ذلك. وقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ) أي: إذا وُعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتق الله، وانزع عن قولك وفعلك، وارجع إلى الحق -امتنع وأبى، وأخذته الحميَّة والغضب بالإثم، أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: ٧٢]، ولهذا قال في هذه الآية: (فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) أي: هي كافيته عقوبة في ذلك. وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة، ذَكَر صفات المؤمنين الحميدة، فقال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) قال ابن عباس، وأنس، وسعيد بن المسيب، وأبو عثمان النّهدي، وعكرمة، وجماعة: نزلت في صُهيب بن سنَان الرومي، وذلك أنَّه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، وإنْ أحب أن يتجرّد منه ويهاجر، فَعَل. فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرّة. فقالوا : رَبح البيع. فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أنّ الله أنزل فيه هذه الآية. ويروى أن رسول الله ﷺ قال له: "ربِح البيع صهيب، ربح البيع صهيب". قال ابن مَرْدُويه: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن عبد الله بن رُسْتَة، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا جعفر بن سليمان الضَبَعي، حدثنا عوف، عن أبي عثمان النهدي، عن صهيب قال: لما أردتُ الهجرة من مكة إلى النبي ﷺ قالت لي قريش: يا صهيبُ، قَدمتَ إلينا ولا مَالَ لك،

Footnotes

في جـ، و: "فقالوا له".

Contents

Edition details

الكتاب: تفسير القرآن العظيم المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (٧٠٠ - ٧٧٤ هـ) المحقق: سامي بن محمد السلامة (تم فيها استدراك السقط الحاصل بالمجلد الأول من طبعة الشعب) الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض - السعودية الطبعة: الثانية، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م عدد الأجزاء: ٨ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

Sign up to ask questions across this book and the rest of the library, with answers cited to the volume and page you can open here.

تفسير ابن كثير - ت السلامة — ابن كثير | Cognoir — Cognoir