Skip to main content
← Arabic Library

تفسير ابن كثير - ت السلامة

ابن كثير (ت 774هـ)

التفسير4,588 pages9 volumesPagination matches the printed edition

Vol. 1 · p. 385434 / 4,588
ولا بينة، فقال (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ) وقال أبو العالية: أماني تمنوها على الله بغير حق. وكذا قال قتادة والربيع بن أنس. ثم قال: (قُلْ) أي: يا محمد، (هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) وقال أبو العالية ومجاهد والسدي والربيع بن أنس: حجتكم. وقال قتادة: بينتكم على ذلك. (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) كما تدعونه . ثم قال تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) أي: من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ الآية [آل عمران: ٢٠]. وقال أبو العالية والربيع: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) يقول: من أخلص لله. وقال سعيد بن جبير: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ) أخلص، (وَجْهَهُ) قال: دينه، (وَهُوَ مُحْسِنٌ) أي: متبع فيه الرسول ﷺ. فإن للعمل المتقبل شرطين، أحدهما: أن يكون خالصًا لله وحده والآخر: أن يكون صوابًا موافقا للشريعة. فمتى كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يتقبل؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". رواه مسلم من حديث عائشة، عنه، ﵇. فعمل الرهبان ومن شابههم -وإن فرض أنهم يخلصون فيه لله-فإنه لا يتقبل منهم، حتى يكون ذلك متابعًا للرسول [محمد] ﷺ المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، وفيهم وأمثالهم، قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]. روي عن أمير المؤمنين عمر أنه تأولها في الرهبان كما سيأتي. وأما إن كان العمل موافقًا للشريعة في الصورة الظاهرة، ولكن لم يخلص عامله القصد لله فهو أيضًا مردود على فاعله وهذا حال المنافقين والمرائين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا﴾ [النساء: ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٧]، ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال في هذه الآية الكريمة: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) وقوله: (فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) ضمن لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور، وآمنهم مما يخافونه من المحذور فـ (لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) فيما يستقبلونه، (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) على ما مضى مما يتركونه، كما قال سعيد بن جبير: فـ (لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) يعني: في الآخرة (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)

Footnotes

في جـ، ط، ب، و: "أي فيما تدعونه"، وفي أ: "أي مما تدعونه". في أ: "في العمل". زيادة من جـ، ط، ب.

Contents

Edition details

الكتاب: تفسير القرآن العظيم المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (٧٠٠ - ٧٧٤ هـ) المحقق: سامي بن محمد السلامة (تم فيها استدراك السقط الحاصل بالمجلد الأول من طبعة الشعب) الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض - السعودية الطبعة: الثانية، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م عدد الأجزاء: ٨ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

Sign up to ask questions across this book and the rest of the library, with answers cited to the volume and page you can open here.