Skip to main content
← Arabic Library

تفسير الكشاف - ومعه الانتصاف ومشاهد الإنصاف والكافي الشاف

الزمخشري (ت 538هـ)

التفسير2,890 pages5 volumesPagination matches the printed edition

Vol. 1 · p. 116119 / 2,890
هو فوق ذاك، تريد هو أبلغ وأعرق فيما وصف به من السفالة والنذالة. والثاني: فما زاد عليها في الحجم، كأنه قصد بذلك ردّ ما استنكروه من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت، لأنهما أكبر من البعوضة. كما تقول لصاحبك- وقد ذمّ من عرفته يشح بأدنى شيء فقال فلان بخل بالدرهم والدرهمين-: هو لا يبالى أن يبخل بنصف درهم فما فوقه، تريد بما فوقه ما بخل فيه وهو الدرهم والدرهمان، كأنك قلت: فضلا عن الدرهم والدرهمين. ونحوه في الاحتمالين ما سمعناه في صحيح مسلم عن إبراهيم عن الأسود قال: دخل شباب من قريش على عائشة رضى اللَّه عنها وهي بمنى وهم يضحكون. فقالت: ما يضحككم؟ قالوا: فلان خرّ على طنب فسطاط فكادت عنقه أو عينه أن تذهب. فقالت: لا تضحكوا. إنى سمعت رسول اللَّه ﷺ قال «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت بها عنه خطيئة» «١» يحتمل فما عدا الشوكة وتجاوزها في القلة وهي نحو نخبة النملة في قوله ﵊: «ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارة لخطاياه حتى نخبة النملة «٢» » وهي عضتها. ويحتمل ما هو أشد من الشوكة وأوجع كالخرور على طنب الفسطاط. فإن قلت: كيف يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر؟ قلت: ليس كذلك، فإن جناح البعوضة أقل منها وأصغر بدرجات، وقد ضربه رسول اللَّه ﷺ مثلا للدنيا «٣» ، وفي خلق اللَّه حيوان أصغر منها ومن جناحها، ربما رأيت في تضاعيف الكتب العتيقة دويبة لا يكاد يجليها للبصر الحادّ إلا تحركها، فإذا سكنت فالسكون يواريها، ثم إذا لوحت لها بيدك حادت عنها وتجنبت مضرتها، فسبحان من يدرك صورة تلك وأعضاءها الظاهرة والباطنة وتفاصيل خلقتها ويبصر بصرها ويطلع على ضميرها، ولعل في خلقه ما هو أصغر منها وأصغر (سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ) وأنشدت لبعضهم: يَا مَنْ يَرَى مَدَّ البَعُوضِ جَنَاحَها … في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ البَهِيمِ الألْيَلِ ويَرَى عُرُوقَ نِيَاطِها في نَحْرِها … والمُخَّ في تِلْكَ العِظَامِ النّحَّلِ اغْفِرْ لِعبْدٍ تابَ مِنْ فَرَطاتِهِ … ما كانَ مِنْهُ في الزَّمانِ الأوَّلِ «٤»

Footnotes

(١) . أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة. (٢) . لم أجده. وأصل الحديث- دون ما في آخره- مروى بطرق كثيرة. (٣) . كأنه يشير إلى حديث سهل بن سعد مرفوعا «لو كانت الدنيا تعدل عند اللَّه جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء» . أخرجه الترمذي. (٤) . للزمخشري، وإن كانت عادته في الكتاب أن لا ينسب شعره لنفسه. يقول: يا اللَّه يا مبصر الخفيات حتى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل. والبهيم: المظلم، لانبهام الأشياء فيه. والأليل: أفعل تفضيل من الليل- وإن كان جامداً- للمبالغة في الظلمة. والنياط: عرق غليظ منوط بالقلب تتصل به عروق رقيقة. والنحر: أسفل العنق والمخ: ما في وسط العظام. والنحل: جمع ناحل، أى دقيق. والفرطات: ذنوبه التي فرطت منه. و «ما كان» مفعول «أغفر» . والزمان الأول: زمن الشباب.

Contents

Showing the first 200 of 2,019 headings.

Edition details

الكتاب: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل المؤلف: محمود بن عمر بن أحمد الزمخشري [ت ٥٣٨ هـ] • وبهامشه أربعة كتب: ١ - «الانتصاف من الكشاف» لأحمد المعروف بابن المنير الإسكندري [ت ٦٨٣ هـ وعامة حواشيه تبدأ بـ (قال محمود … ) يعني الزمخشري، ثم يتعقبها بقوله: (قال أحمد … ) يعني نفسه] ٢ - «الكافي الشافِ في تخريج أحاديث الكشاف» للحافظ ابن حجر العسقلانِي [ت ٨٥٢ هـ ونُسِب خطأً للجمال الزيلعي في بعض النُسَخ الإلكترونية؛ فلْيُصحح] ٣ - «حاشية الشيخ محمد عليان المرزوقي» [ت ١٣٥٥ هـ، وخُتمَتْ حواشيه بحرف (ع)] ٤ - «مشاهد الإنصاف على شواهد الكشاف» للشيخ محمد عليان المذكور [ولم يُرمَز لها بعلامة لتَميُّز موضوعِها هي وتخريجات ابن حجر] • ضبطه وصححه ورتّبه: مصطفى حسين أحمد الناشر: دار الريان للتراث بالقاهرة - دار الكتاب العربي ببيروت الطبعة: الثالثة ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م [وبآخر الكتاب: «كان الفراغ مِن طبْعِه سنة ١٣٦٢ هـ - ١٩٤٧ م»! فلْيُحرَّر] عدد الأجزاء: ٤ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

Sign up to ask questions across this book and the rest of the library, with answers cited to the volume and page you can open here.

تفسير الكشاف - ومعه الانتصاف ومشاهد الإنصاف والكافي الشاف — الزمخشري | Cognoir — Cognoir