Skip to main content
← Arabic Library

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

الكاساني (ت 587هـ)

الفقه الحنفي2,127 pages7 volumesPagination matches the printed edition

Vol. 1 · p. 8887 / 2,127
تَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ، فَعِنْدَ تَحَقُّقِهَا أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَزُولُ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّجَاسَةَ الْمَرْئِيَّةَ فَقَطْ لَا تَزُولُ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، فَكَذَا غَيْرُ الْمَرْئِيَّةِ، وَلَا فَرْقَ سِوَى أَنَّ ذَلِكَ يُرَى بِالْحِسِّ، وَهَذَا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ، وَالِاعْتِبَارُ بِالْحَدَثِ غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّهُ ثَمَّةَ لَا نَجَاسَةَ رَأْسًا، وَإِنَّمَا عَرَفْنَا وُجُوبَ الْغَسْلِ نَصًّا غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، وَالنَّصُّ وَرَدَ بِالِاكْتِفَاءِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ «تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ: هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ» ، ثُمَّ التَّقْدِيرُ بِالثَّلَاثِ عِنْدَنَا لَيْسَ بِلَازِمٍ، بَلْ هُوَ مُفَوَّضٌ إلَى غَالِبِ رَأْيِهِ، وَأَكْبَرِ ظَنِّهِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ النَّصُّ بِالتَّقْدِيرِ بِالثَّلَاثِ بِنَاءً عَلَى غَالِبِ الْعَادَاتِ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا تَزُولُ بِالثَّلَاثِ؛ وَلِأَنَّ الثَّلَاثَ هُوَ الْحَدُّ الْفَاصِلُ لِإِبْلَاءِ الْعُذْرِ، كَمَا فِي قِصَّةِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ مَعَ مُوسَى حَيْثُ قَالَ لَهُ مُوسَى فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: ٧٦] وَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ مَرْئِيَّةً كَالدَّمِ وَنَحْوِهِ، فَطَهَارَتُهَا زَوَالُ عَيْنِهَا، وَلَا عِبْرَةَ فِيهِ بِالْعَدَدِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ فِي الْعَيْنِ فَإِنْ زَالَتْ الْعَيْنُ زَالَتْ النَّجَاسَةُ، وَإِنْ بَقِيَتْ بَقِيَتْ، وَلَوْ زَالَتْ الْعَيْنُ وَبَقِيَ الْأَثَرُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَزُولُ أَثَرُهُ لَا يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ، مَا لَمْ يَزُلْ الْأَثَرُ؛ لِأَنَّ الْأَثَرَ لَوْنُ عَيْنِهِ، لَا لَوْنُ الثَّوْبِ، فَبَقَاؤُهُ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ عَيْنِهِ وَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ مِمَّا لَا يَزُولُ أَثَرُهُ، لَا يَضُرُّ بَقَاءُ أَثَرِهِ عِنْدَنَا، وَعَنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ مَا دَامَ الْأَثَرُ بَاقِيًا وَيَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ بِالْمِقْرَاضِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْأَثَرِ دَلِيلُ بَقَاءِ الْعَيْنِ. (وَلَنَا) مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِلْمُسْتَحَاضَةِ: «حُتِّيهِ، ثُمَّ اقْرُضِيهِ، ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ، وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ» وَهَذَا نَصٌّ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا لَمْ يُكَلِّفْنَا غَسْلَ النَّجَاسَةِ إلَّا بِالْمَاءِ، مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي طَبْعِ الْمَاءِ قَلْعُ الْآثَارِ دَلَّ عَلَى أَنَّ بَقَاءِ الْأَثَرِ فِيمَا لَا يَزُولُ أَثَرُهُ لَيْسَ بِمَانِعٍ زَوَالَ النَّجَاسَةِ. وَقَوْلُهُ: بَقَاءُ الْأَثَرِ دَلِيلُ بَقَاءِ الْعَيْنِ مُسَلَّمٌ، لَكِنَّ الشَّرْعَ أَسْقَطَ اعْتِبَارَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﵊: «وَلَا يَضُرُّكِ بَقَاءُ أَثَرِهِ» ، وَلَمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْنَا إلَّا بِالْغَسْلِ بِالْمَاءِ، وَلَمْ يُكَلِّفْنَا تَعَلُّمَ الْحِيَلِ فِي قَلْعِ الْآثَارِ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ فِي حَدِّ الْقِلَّةِ، وَالْقَلِيلُ مِنْ النَّجَاسَةِ عَفْوٌ عِنْدَنَا؛ وَلِأَنَّ إصَابَةَ النَّجَاسَةِ الَّتِي لَهَا أَثَرٌ بَاقٍ كَالدَّمِ الْأَسْوَدِ الْعَبِيطِ مِمَّا يَكْثُرُ فِي الثِّيَابِ خُصُوصًا فِي حَقِّ النِّسْوَانِ، فَلَوْ أُمِرْنَا بِقَطْعِ الثِّيَابِ؛ لَوَقَعَ النَّاسُ فِي الْحَرَجِ، وَأَنَّهُ مَدْفُوعٌ وَكَذَا يُؤَدِّي إلَى إتْلَافِ الْأَمْوَالِ، وَالشَّرْعُ نَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، فَكَيْفَ يَأْمُرُنَا بِهِ؟ . (وَمِنْهَا) الْعَصْرُ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْعَصْرَ، وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُهُ وَالْجُمْلَةُ فِيهِ أَنَّ الْمَحَلَّ الَّذِي تَنَجَّسَ إمَّا إنْ كَانَ شَيْئًا لَا يُتَشَرَّبُ فِيهِ أَجْزَاءُ النَّجِسِ أَصْلًا، أَوْ كَانَ شَيْئًا يُتَشَرَّبُ فِيهِ شَيْءٌ يَسِيرٌ، أَوْ كَانَ شَيْئًا يُتَشَرَّبُ فِيهِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُتَشَرَّبُ فِيهِ شَيْءٌ أَصْلًا، كَالْأَوَانِي الْمُتَّخَذَةِ مِنْ الْحَجَرِ وَالصُّفْرِ، وَالنُّحَاسِ وَالْخَزَفِ الْعَتِيقِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَطَهَارَتُهُ بِزَوَالِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ، أَوْ الْعَدَدُ عَلَى مَا مَرَّ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُتَشَرَّبُ فِيهِ شَيْءٌ قَلِيلٌ، كَالْبَدَنِ وَالْخُفِّ وَالنَّعْل فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَسْتَخْرِجُ ذَلِكَ الْقَلِيلَ فَيُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُتَشَرَّبُ فِيهِ كَثِيرٌ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ عَصْرُهُ كَالثِّيَابِ، فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ مَرْئِيَّةً فَطَهَارَتُهُ بِالْغَسْلِ وَالْعَصْرِ إلَى أَنْ تَزُولَ الْعَيْنُ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ فَطَهَارَتُهُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا، وَالْعَصْرِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَسْتَخْرِجُ الْكَثِيرَ إلَّا بِوَاسِطَةِ الْعَصْرِ، وَلَا يَتِمُّ الْغَسْلُ بِدُونِهِ. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِالْعَصْرِ فِي الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ، وَيَسْتَوِي الْجَوَابُ عِنْدَنَا بَيْنَ بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بَوْلُ الصَّبِيِّ يَطْهُرُ بِالنَّضْحِ مِنْ غَيْرِ عَصْرٍ، (وَاحْتَجَّ) بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يُنْضَحُ بَوْلُ الصَّبِيِّ، وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ» . (وَلَنَا) مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ بَوْلٍ وَبَوْلٍ، وَمَا رَوَاهُ غَرِيبٌ فَلَا يُقْبَلُ، خُصُوصًا إذَا خَالَفَ الْمَشْهُورَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ عَصْرُهُ، كَالْحَصِيرِ الْمُتَّخَذِ مِنْ الْبُورِيِّ وَنَحْوِهِ، أَيْ مَا لَا يَنْعَصِرُ بِالْعَصْرِ إنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُتَشَرَّبْ فِيهِ، بَلْ أَصَابَ ظَاهِرَهُ يَطْهُرُ بِإِزَالَةِ الْعَيْنِ، أَوْ بِالْغَسْلِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ عَصْرٍ، فَأَمَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ تَشَرَّبَ فِيهِ فَقَدْ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُنْقَعُ فِي الْمَاءِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَيُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فَيُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَطْهُرُ أَبَدًا، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ: الْخَزَفُ الْجَدِيدُ إذَا تَشَرَّبَ فِيهِ النَّجِسُ، وَالْجِلْدُ إذَا دُبِغَ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ، وَالْحِنْطَةُ إذَا تَشَرَّبَ فِيهَا النَّجَسُ وَانْتَفَخَتْ أَنَّهَا لَا تَطْهُرُ أَبَدًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تُنْقَعُ فِي الْمَاءِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَتُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَكَذَا السِّكِّينُ إذَا مُوِّهَ بِمَاءٍ نَجِسٍ، وَاللَّحْمُ إذَا طُبِخَ بِمَاءٍ نَجِسٍ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: يُمَوَّهُ السِّكِّينُ، وَيُطْبَخُ اللَّحْمُ بِالطَّاهِرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَيُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: لَا يَطْهُرُ أَبَدًا وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ النَّجَاسَةَ إذَا دَخَلَتْ فِي الْبَاطِنِ يَتَعَذَّرُ اسْتِخْرَاجُهَا إلَّا بِالْعَصْرِ، وَالْعَصْرُ مُتَعَذِّرٌ وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: إنْ تَعَذَّرَ الْعَصْرُ فَالتَّجْفِيفُ مُمْكِنٌ، فَيُقَامُ التَّجْفِيفُ مَقَامَ الْعَصْرِ

Contents

Showing the first 200 of 648 headings.

Edition details

الكتاب: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع المؤلف: علاء الدين، أبو بكر بن مسعود الكاساني الحنفي الملقب بـ «بملك العلماء» (ت ٥٨٧ هـ) الطبعة: الأولى ١٣٢٧ - ١٣٢٨ هـ عدد الأجزاء: ٧ تِباعًا الأجزاء ١ - ٢: مطبعة شركة المطبوعات العلمية بمصر الأجزاء ٣ - ٧: مطبعة الجمالية بمصر وصَوّرتْها كاملةً: دار الكتب العلمية وغيرها تنبيه: أصدرَتْ دار الكتب العلمية طبعة أخرى لاحقًا بصف جديد في ١٠ أجزاء بتحقيق علي معوض و عادل عبد الموجود [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

Sign up to ask questions across this book and the rest of the library, with answers cited to the volume and page you can open here.