Skip to main content
← Arabic Library

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير

الفخر الرازي (ت 606هـ)

التفسير6,230 pages32 volumesPagination matches the printed edition

Vol. 4 · p. 137760 / 6,230
الْعُمْرَةِ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى الْبَيْتِ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الزِّيَارَةِ، لِأَنَّ الْمُعْتَمِرَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ كَالزَّائِرِ، وَأَمَّا الْجَنَاحُ فَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: جَنَحَ إِلَى كَذَا أَيْ مَالَ إِلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الْأَنْفَالِ: ٦١] وَجَنَحَتِ السَّفِينَةُ إِذَا لَزِمَتِ الْمَاءَ فَلَمْ تَمْضِ، وَجَنَحَ الرَّجُلُ فِي الشَّيْءِ يُعَلِّمُهُ بِيَدِهِ إِذَا مَالَ إِلَيْهِ بِصَدْرِهِ وَقِيلَ لِلْأَضْلَاعِ: جَوَانِحُ لِاعْوِجَاجِهَا، وَجَنَاحُ الطَّائِرِ مِنْ هَذَا، لِأَنَّهُ يَمِيلُ فِي أَحَدِ شِقَّيْهِ وَلَا يَطِيرُ عَلَى مُسْتَوَى خِلْقَتِهِ فَثَبَتَ أَنَّ أَصْلَهُ مِنَ الْمَيْلِ، ثُمَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ بَقِيَ فِي عُرْفِ الْقُرْآنِ كَذَلِكَ أَيْضًا فَمَعْنَى: لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَيْنَمَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ: لَا مَيْلَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ بِمُطَالَبَةِ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْمَيْلِ إِلَى الْبَاطِلِ وَإِلَى مَا يَأْثَمُ بِهِ. وَقَوْلُهُ: أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما أَيْ يَتَطَوَّفَ فَأُدْغِمَتِ التاء في الطاء كما قال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر: ١] ، يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [الْمُزَّمِّلِ: ١] أَيْ الْمُتَدَثِّرُ وَالْمُتَزَمِّلُ، وَيُقَالُ: طَافَ وَأَطَافَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَالَّذِي يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِثْمَ فِي فِعْلِهِ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُبَاحُ، ثُمَّ يَمْتَازُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ عن الآخر بقيد زائد، فإذن ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَاجِبٌ، أَوْ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، لِأَنَّ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْأَقْسَامِ لَا دَلَالَةَ فِيهِ الْبَتَّةَ عَلَى خُصُوصِيَّةٍ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّ هَذَا السَّعْيَ رُكْنٌ، وَلَا يَقُومُ الدَّمُ مَقَامَهُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ، وَيَقُومُ الدَّمُ مَقَامَهُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ، أَنَّ مَنْ تَرَكَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، حُجَّةُ الشَّافِعِيِّ ﵁ مِنْ وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ فَاسْعَوْا» ، فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ السَّعْيِ وَهُوَ الْعَدْوُ، ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ السَّعْيَ عِبَارَةٌ عَنِ الْعَدْوِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الْجُمُعَةِ: ٩] وَالْعَدْوُ فِيهِ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا مَا سَعى [النَّجْمِ: ٣٩] وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْعَدْوَ، بَلِ الْجِدَّ وَالِاجْتِهَادَ فِي الْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ، سَلَّمْنَا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْعَدْوِ، وَلَكِنَّ الْعَدْوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى صِفَةِ تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ فِي حَقِّ هَذِهِ الصِّفَةِ، فَيَبْقَى أَصْلُ الْمَشْيِ وَاجِبًا. وَثَانِيهَا: مَا ثَبَتَ أَنَّهُ ﵇ سَعَى لَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا فِي حَجَّتِهِ، وَقَالَ: «إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى/ الْبَيْتَ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ ﵇ سَعَى وَجَبَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْنَا السَّعْيُ لِلْقُرْآنِ وَالْخَبَرِ، أَمَّا الْقُرْآنُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَاتَّبِعُوهُ وَقَوْلُهُ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [آلِ عِمْرَانَ: ٣١] وَقَوْلُهُ: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الْأَحْزَابِ: ٢١] وَأَمَّا الْخَبَرُ فَقَوْلُهُ ﵇: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ أَشْوَاطٌ شُرِعَتْ فِي بُقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِ الْحَرَمِ، أَوْ يُؤْتَى بِهِ فِي إِحْرَامٍ كَامِلٍ فَكَانَ جِنْسُهَا رُكْنًا كَطَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَلَا يَلْزَمُ طَوَافُ الصَّدْرِ لِأَنَّ الْكَلَامَ لِلْجِنْسِ لِوُجُوبِهِ مَرَّةً، وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ بِوَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: هَذِهِ الْآيَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ: فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَهَذَا لَا يُقَالُ فِي الْوَاجِبَاتِ. ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَبَيَّنَ أَنَّهُ تَطَوُّعٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَثَانِيهِمَا: قَوْلُهُ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» وَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَهَذَا يَقْتَضِي التَّمَامَ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، تُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ، فَيَبْقَى مَعْمُولًا بِهِ فِي السَّعْيِ وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ مِنْ وُجُوهٍ. الْأَوَّلُ: مَا بَيَّنَّا أَنَّ قَوْلَهُ: فَلا جُناحَ عَلَيْهِ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَى فَاعِلِهِ، وَهَذَا الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ دَلَالَةٌ

Contents

Showing the first 200 of 2,741 headings.

Edition details

الكتاب: مفاتيح الغيب = التفسير الكبير المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (ت ٦٠٦هـ) الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة: الثالثة - ١٤٢٠ هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

Sign up to ask questions across this book and the rest of the library, with answers cited to the volume and page you can open here.

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير — الفخر الرازي | Cognoir — Cognoir