Skip to main content
← Arabic Library

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير

الفخر الرازي (ت 606هـ)

التفسير6,230 pages32 volumesPagination matches the printed edition

Vol. 3 · p. 512487 / 6,230
الثِّيَابَ وَالْحُلِيَّ لَا تَحِلُّ لَكُمْ فَأَحْرِقُوهَا فَجَمَعُوا نَارًا وَأَحْرَقُوهَا، وَكَانَ السَّامِرِيُّ فِي مَسِيرِهِ مَعَ مُوسَى ﵇ فِي الْبَحْرِ نَظَرَ إِلَى حَافِرِ دَابَّةِ جِبْرِيلَ ﵇ حِينَ تَقَدَّمَ عَلَى فِرْعَوْنَ فِي دُخُولِ الْبَحْرِ فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابِ حَافِرِ تِلْكَ الدَّابَّةِ، ثُمَّ إِنَّ السَّامِرِيَّ أَخَذَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَصَوَّرَ مِنْهُ عِجْلًا وَأَلْقَى ذَلِكَ التُّرَابَ فِيهِ فَخَرَجَ مِنْهُ صَوْتٌ كَأَنَّهُ الْخُوَارُ، فَقَالَ لِلْقَوْمِ: هَذَا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى [طَهَ: ٨٨] ، فَاتَّخَذَهُ الْقَوْمُ إِلَهًا لِأَنْفُسِهِمْ فَهَذَا مَا فِي الرِّوَايَةِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْجَمْعُ الْعَظِيمُ مِنَ الْعُقَلَاءِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى مَا يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ كَذَلِكَ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ كُلَّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ بِبَدِيهَةِ عَقْلِهِ أَنَّ الصَّنَمَ الْمُتَّخَذَ مِنَ الذَّهَبِ الَّذِي لَا يَتَحَرَّكُ وَلَا يَحُسُّ وَلَا يَعْقِلُ يَسْتَحِيلُ أَنَّ يكون إله السموات والأرض، وهب أنه ظهر منه خُوَارٍ وَلَكِنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ شُبْهَةً فِي قَلْبِ أَحَدٍ مِنَ الْعُقَلَاءِ فِي كَوْنِهِ إِلَهًا، وَثَانِيهَا: أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا قَدْ شَاهَدُوا قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الْقَاهِرَةِ الَّتِي تَكُونُ قَرِيبَةً مِنْ حَدِّ الْإِلْجَاءِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الصَّانِعِ وَصِدْقِ مُوسَى ﵇، فَمَعَ قُوَّةِ هَذِهِ الدَّلَالَةِ وَبُلُوغِهَا إِلَى حَدِّ الضَّرُورَةِ وَمَعَ أَنَّ صُدُورَ الْخُوَارِ مِنْ ذَلِكَ الْعِجْلِ الْمُتَّخَذِ مِنَ الذَّهَبِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَقْتَضِيَ شُبْهَةً فِي كَوْنِ ذَلِكَ الْجِسْمِ الْمُصَوِّتِ إِلَهًا. وَالْجَوَابُ: هَذِهِ الْوَاقِعَةُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهَا إِلَّا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ السَّامِرِيَّ أَلْقَى إِلَى الْقَوْمِ أَنَّ مُوسَى ﵇ إِنَّمَا قَدَرَ عَلَى مَا أَتَى بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَّخِذُ طَلْسَمَاتٍ عَلَى قُوَى فَلَكِيَّةٍ وَكَانَ يَقْدِرُ بِوَاسِطَتِهَا عَلَى هَذِهِ الْمُعْجِزَاتِ، فَقَالَ السَّامِرِيُّ لِلْقَوْمِ: وَأَنَا أَتَّخِذُ لَكُمْ طَلْسَمًا مِثْلَ طَلْسَمِهِ وَرَوَّحَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأَنْ جَعْلَهُ بِحَيْثُ خَرَجَ مِنْهُ صَوْتٌ عَجِيبٌ فَأَطْمَعَهُمْ فِي أَنْ يَصِيرُوا مِثْلَ مُوسَى ﵇ فِي الْإِتْيَانِ بِالْخَوَارِقِ، أَوْ لَعَلَّ الْقَوْمَ كَانُوا مُجَسِّمَةً وَحُلُولِيَّةً فَجَوَّزُوا حُلُولَ الْإِلَهِ فِي بَعْضِ الْأَجْسَامِ فَلِذَلِكَ وَقَعُوا فِي تِلْكَ الشُّبْهَةِ. الْبَحْثُ الثَّالِثُ: هَذِهِ الْقِصَّةُ فِيهَا فَوَائِدُ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيْرُ الْأُمَمِ، لِأَنَّ أُولَئِكَ الْيَهُودَ مَعَ أَنَّهُمْ شَاهَدُوا تِلْكَ الْبَرَاهِينَ الْقَاهِرَةَ اغْتَرُّوا بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الرَّكِيكَةِ جِدًّا، وَأَمَّا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإِنَّهُمْ مَعَ أَنَّهُمْ مُحْتَاجُونَ فِي مَعْرِفَةِ كَوْنِ الْقُرْآنِ/ مُعْجِزًا إِلَى الدَّلَائِلِ الدَّقِيقَةِ لَمْ يَغْتَرُّوا بِالشُّبَهَاتِ الْقَوِيَّةِ الْعَظِيمَةِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكَ وَأَكْمَلُ عَقْلًا وَأَزْكَى خَاطِرًا مِنْهُمْ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ ﵊ ذَكَرَ هَذِهِ الْحِكَايَةَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّمْ عِلْمًا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﵊ استفادها من الوحي. وَثَالِثُهَا: فِيهِ تَحْذِيرٌ عَظِيمٌ مِنَ التَّقْلِيدِ وَالْجَهْلِ بِالدَّلَائِلِ فَإِنَّ أُولَئِكَ الْأَقْوَامَ لَوْ أَنَّهُمْ عَرَفُوا اللَّهَ بِالدَّلِيلِ مَعْرِفَةً تَامَّةً لَمَا وَقَعُوا فِي شُبْهَةِ السَّامِرِيِّ. وَرَابِعُهَا: فِي تَسْلِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّا كَانَ يُشَاهِدُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِالْخِلَافِ عَلَيْهِ وَكَأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا صَبَرَ مُوسَى ﵊ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ النَّكِدَةِ فَإِنَّهُمْ بَعْدَ أَنْ خَلَّصَهُمُ اللَّهُ مِنْ فرعون وأراهم المعجزات العجيبة من أول ظهر وموسى إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ اغْتَرُّوا بِتِلْكَ الشُّبْهَةِ الرَّكِيكَةِ، ثُمَّ إِنَّ مُوسَى ﵇ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ فَلَأَنْ يَصْبِرَ مُحَمَّدٌ ﵊ عَلَى أَذِيَّةِ قَوْمِهِ كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى. وَخَامِسُهَا: أَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ مُجَادَلَةً مَعَ الرَّسُولِ ﷺ وَعَدَاوَةً لَهُ هُمُ الْيَهُودُ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يَفْتَخِرُونَ بِأَسْلَافِهِمْ، ثُمَّ إِنَّ أَسْلَافَهُمْ كَانُوا فِي الْبَلَادَةِ وَالْجَهَالَةِ وَالْعِنَادِ إِلَى هَذَا الْحَدِّ فَكَيْفَ هَؤُلَاءِ الْأَخْلَافُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ فَفِيهِ أَبْحَاثٌ: الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: فِي تَفْسِيرِ الظُّلْمِ وَفِيهِ وَجْهَانِ. الْأَوَّلُ: قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الظُّلْمُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ هُوَ النَّقْصُ، قَالَ

Contents

Showing the first 200 of 2,741 headings.

Edition details

الكتاب: مفاتيح الغيب = التفسير الكبير المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (ت ٦٠٦هـ) الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة: الثالثة - ١٤٢٠ هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

Sign up to ask questions across this book and the rest of the library, with answers cited to the volume and page you can open here.