Skip to main content
← Arabic Library

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير

الفخر الرازي (ت 606هـ)

التفسير6,230 pages32 volumesPagination matches the printed edition

Vol. 3 · p. 612587 / 6,230
قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ: أَبُو عَلِيٍّ السُّوسِيُّ: هَذَا لَا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ «إِيلُ» وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ آخِرُ الِاسْمِ مَجْرُورًا «١» . أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ فَفِيهِ سُؤَالَاتٌ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «فَإِنَّهُ» وَفِي قَوْلِهِ: «نَزَّلَهُ» إِلَى مَاذَا يَعُودُ؟ الْجَوَابُ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْهَاءَ الْأُولَى تَعُودُ عَلَى جِبْرِيلَ وَالثَّانِيَةَ: عَلَى الْقُرْآنِ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِأَنَّهُ كَالْمَعْلُومِ كَقَوْلِهِ: مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [فَاطِرٍ: ٤٥] يَعْنِي عَلَى الْأَرْضِ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. أَيْ إِنْ كَانَتْ عَدَاوَتُهُمْ لِأَنَّ جِبْرِيلَ يُنَزِّلُ الْقُرْآنَ فَإِنَّمَا يُنَزِّلُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ. قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : إِضْمَارُ مَا لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُهُ فِيهِ فَخَامَةٌ لِشَأْنِ صَاحِبِهِ حَيْثُ يُجْعَلُ لِفَرْطِ شُهْرَتِهِ كَأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى نَفْسِهِ وَيَكْتَفِي عَنِ اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته، وثانيها: الْمَعْنَى فَإِنَّ اللَّهَ نَزَّلَ جِبْرِيلَ ﵇ لَا أَنَّهُ نَزَّلَ نَفْسَهُ. السُّؤَالُ الثَّانِي: الْقُرْآنُ: إِنَّمَا نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ فَمَا السَّبَبُ فِي قَوْلِهِ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ؟ الْجَوَابُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ذَكَرْنَاهَا فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ فِي قَوْلِهِ: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلى قَلْبِكَ [الشُّعَرَاءِ: ١٩٣] وَأَكْثَرُ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ لَا عَلَى قَلْبِهِ إِلَّا أَنَّهُ خَصَّ الْقَلْبَ بِالذِّكْرِ لِأَجْلِ أَنَّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ثَبَتَ فِي قَلْبِهِ حِفْظًا حَتَّى أَدَّاهُ إِلَى أُمَّتِهِ، فَلَمَّا كَانَ سَبَبُ تَمَكُّنِهِ مِنَ الْأَدَاءِ ثَبَاتَهُ فِي قَلْبِهِ حِفْظًا جَازَ أَنْ يُقَالَ: نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ وَإِنْ كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ نَزَّلَهُ عَلَيْهِ لَا عَلَى قَلْبِهِ. السُّؤَالُ الثَّالِثُ: كَانَ حَقُّ الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ عَلَى قَلْبِي، وَالْجَوَابُ: جَاءَتْ عَلَى حِكَايَةِ كَلَامِ اللَّهِ كَمَا تَكَلَّمَ بِهِ كَأَنَّهُ قِيلَ: قُلْ مَا تَكَلَّمْتُ بِهِ مِنْ قَوْلِي، مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ. السُّؤَالُ الرَّابِعُ: كَيْفَ اسْتَقَامَ قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ جَزَاءً لِلشَّرْطِ؟ وَالْجَوَابُ فِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ ﷾ بَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الْعَدَاوَةَ فَاسِدَةٌ لِأَنَّهُ مَا أَتَى إِلَّا أَنَّهُ أُمِرَ بِإِنْزَالِ كِتَابٍ فِيهِ الْهِدَايَةُ وَالْبِشَارَةُ فَأَنْزَلَهُ، فَهُوَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَأْمُورٌ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أَتَى/ بِالْهِدَايَةِ وَالْبِشَارَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَشْكُورًا فَكَيْفَ تَلِيقُ بِهِ الْعَدَاوَةُ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ الْيَهُودَ إِنْ كَانُوا يُعَادُونَهُ فَيَحِقُّ لَهُمْ ذَاكَ، لِأَنَّهُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بُرْهَانًا عَلَى نُبُوَّتِكَ، وَمِصْدَاقًا لِصِدْقِكَ وَهُمْ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ فَكَيْفَ لَا يُبْغِضُونَ مَنْ أَكَّدَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرَ الَّذِي يَكْرَهُونَهُ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: بِإِذْنِ اللَّهِ فَالْأَظْهَرُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَفْسِيرِهِ بِالْعِلْمِ لِوُجُوهٍ. أَوَّلُهَا: أَنَّ الْإِذْنَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَمْرِ مَجَازٌ فِي الْعِلْمِ وَاللَّفْظُ وَاجِبُ الْحَمْلِ عَلَى حَقِيقَتِهِ مَا أَمْكَنَ. وَثَانِيهَا: أَنَّ إِنْزَالَهُ كَانَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ وَالْوُجُوبُ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْأَمْرِ لَا مِنَ الْعِلْمِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ ذَلِكَ الْإِنْزَالَ إِذَا كَانَ عَنْ أَمْرٍ لَازِمٍ كَانَ أَوْكَدَ فِي الْحُجَّةِ. أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ مَا قَبْلَهُ مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا مَعْنَى لتخصيص كتاب دون كِتَابٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهُ بِالتَّوْرَاةِ وَزَعَمَ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْقُرْآنَ يُوَافِقُ التَّوْرَاةَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ شَرَائِعَ الْقُرْآنِ مُخَالِفَةٌ لِشَرَائِعِ سَائِرِ الْكُتُبِ، فَلِمَ صَارَ بِأَنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا لَهَا لِكَوْنِهَا مُتَوَافِقَةً فِي الدَّلَالَةِ عَلَى التَّوْحِيدِ وَنُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ غير مصدق لها؟

Footnotes

(١) كلام السوسي إنما يتأتى لو كان: «جبر» و «إيل» عربيتين ولكنهما عبرانيتان. والاضافة في اللغة العبرانية لا توجب كسر الاسم باعتباره مضافاً إليه.

Contents

Showing the first 200 of 2,741 headings.

Edition details

الكتاب: مفاتيح الغيب = التفسير الكبير المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (ت ٦٠٦هـ) الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة: الثالثة - ١٤٢٠ هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

Sign up to ask questions across this book and the rest of the library, with answers cited to the volume and page you can open here.

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير — الفخر الرازي | Cognoir — Cognoir