Skip to main content
← Arabic Library

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير

الفخر الرازي (ت 606هـ)

التفسير6,230 pages32 volumesPagination matches the printed edition

Vol. 2 · p. 429406 / 6,230
كانَ مِنَ الْجِنِّ أَيْ صَارَ مِنَ الْجِنِّ. قُلْنَا هَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً قُلْنَا يُحْتَمَلُ أَنَّ بَعْضَ الْكُفَّارِ أَثْبَتَ ذَلِكَ النَّسَبَ فِي الْجِنِّ كَمَا أَثْبَتَهُ فِي الْمَلَائِكَةِ وَأَيْضًا فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَلَكَ يُسَمَّى جِنًّا بِحَسَبِ أَصْلِ اللُّغَةِ لَكِنَّ لَفْظَ الْجِنِّ بِحَسَبِ الْعُرْفِ اخْتَصَّ بِغَيْرِهِمْ كَمَا أَنَّ لَفْظَ الدَّابَّةِ وَإِنْ كَانَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ الْأَصْلِيَّةِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا يَدِبُّ لَكِنَّهُ بِحَسَبِ الْعُرْفِ اخْتَصَّ بِبَعْضِ مَا يَدِبُّ فَتُحْمَلُ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى اللُّغَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالْآيَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَلَى الْعُرْفِ الْحَادِثِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ إِبْلِيسَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ وَالْمَلَائِكَةُ لَا ذُرِّيَّةَ لَهُمْ، إِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ إِبْلِيسَ لَهُ ذَرِّيَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي صِفَتِهِ: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي [الْكَهْفِ: ٥٠] وَهَذَا صَرِيحٌ فِي إِثْبَاتِ الذُّرِّيَّةِ لَهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا ذُرِّيَّةَ لَهُمْ لِأَنَّ الذُّرِّيَّةَ إِنَّمَا تَحْصُلُ مِنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْمَلَائِكَةُ لَا أُنْثَى فِيهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ [الزُّخْرُفِ: ١٩] أَنْكَرَ عَلَى مَنْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْأُنُوثَةِ فَإِذَا انْتَفَتِ الْأُنُوثَةُ انْتَفَى التَّوَالُدُ لَا مَحَالَةَ فَانْتَفَتِ الذُّرِّيَّةُ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مَعْصُومُونَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَإِبْلِيسُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ إِبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنَ النَّارِ وَالْمَلَائِكَةُ لَيْسُوا كَذَلِكَ إِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ إِبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنَ النَّارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إِبْلِيسَ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَأَيْضًا فَلِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الْجِنِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: كانَ مِنَ الْجِنِّ وَالْجِنُّ مَخْلُوقُونَ مِنَ النَّارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ [الْحِجْرِ: ٢٧] وَقَالَ: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ [الرَّحْمَنِ: ١٤، ١٥] وَأَمَّا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَيْسُوا مَخْلُوقِينَ مِنَ النَّارِ بَلْ مِنَ النُّورِ، فَلِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، ولأن من المشهور الذي لا يَدْفَعُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ رُوحَانِيُّونَ، وَقِيلَ إِنَّمَا سُمُّوا بِذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ خُلِقُوا مِنَ الرِّيحِ أَوِ الرَّوْحِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ رُسُلٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [فَاطِرٍ: ١] وَرُسُلُ اللَّهِ مَعْصُومُونَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الْأَنْعَامِ: ١٢٤] فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ إِبْلِيسُ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِكَوْنِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِأَمْرَيْنِ الْأَوَّلُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَاهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالِاسْتِثْنَاءُ يُفِيدُ إِخْرَاجَ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ أَوْ لَصَحَّ دُخُولُهُ وَذَلِكَ يُوجِبُ كون مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَا يُقَالُ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ مَشْهُورٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [الزُّخْرُفِ: ٢٦، ٢٧] وَقَالَ تَعَالَى: لَا يَسْمَعُونَ فِيها/ لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً [الْوَاقِعَةِ: ٢٥، ٢٦] وَقَالَ تَعَالَى: لَا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ [النِّسَاءِ: ٢٩] وَقَالَ تَعَالَى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً [النِّسَاءِ: ٩٢] وَأَيْضًا فَلِأَنَّهُ كَانَ جِنِّيًّا وَاحِدًا بَيْنَ الْأُلُوفِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَغَلَبُوا عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: فَسَجَدُوا ثُمَّ اسْتُثْنِيَ هُوَ مِنْهُمُ اسْتِثْنَاءَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، لِأَنَّا نَقُولُ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، فَذَلِكَ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَالدَّلَائِلُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا فِي نَفْيِ كَوْنِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الِاعْتِمَادُ عَلَى الْعُمُومَاتِ، فَلَوْ جَعَلْنَاهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَزِمَ تَخْصِيصُ مَا عَوَّلْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْعُمُومَاتِ، وَلَوْ قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لَزِمَنَا حَمْلُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَخْصِيصَ الْعُمُومَاتِ أَكْثَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَمْلِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ فَكَانَ قَوْلُنَا أولى. وأيضاً فَالِاسْتِثْنَاءُ مُشْتَقٌّ مِنَ الثَّنْيِ وَالصَّرْفِ وَمَعْنَى الصَّرْفِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ حَيْثُ لَوْلَا الصَّرْفُ لَدَخَلَ وَالشَّيْءُ لَا يَدْخُلُ فِي غَيْرِ جِنْسِهِ فَيَمْتَنِعُ تَحَقُّقُ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ فِيهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّهُ جِنِّيٌّ وَاحِدٌ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ فَنَقُولُ إِنَّمَا يَجُوزُ إِجْرَاءُ حكم الكثير على القليل إذا كان ذلك القليل ساقط العبرة غير ملتفت إليه وأما إِذَا كَانَ مُعْظَمُ

Contents

Showing the first 200 of 2,741 headings.

Edition details

الكتاب: مفاتيح الغيب = التفسير الكبير المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (ت ٦٠٦هـ) الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة: الثالثة - ١٤٢٠ هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

Sign up to ask questions across this book and the rest of the library, with answers cited to the volume and page you can open here.

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير — الفخر الرازي | Cognoir — Cognoir