Skip to main content
← Arabic Library

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير

الفخر الرازي (ت 606هـ)

التفسير6,230 pages32 volumesPagination matches the printed edition

Vol. 2 · p. 361338 / 6,230
اعلم أنه بين بالدليل كون القرآن معجزاً أورد هاهنا شُبْهَةً أَوْرَدَهَا الْكُفَّارُ قَدْحًا فِي ذَلِكَ وَأَجَابَ عَنْهَا وَتَقْرِيرُ الشُّبْهَةِ أَنَّهُ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ النَّحْلِ وَالذُّبَابِ وَالْعَنْكَبُوتِ وَالنَّمْلِ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَا يَلِيقُ ذِكْرُهَا بِكَلَامِ الْفُصَحَاءِ فَاشْتِمَالُ الْقُرْآنِ عَلَيْهَا يَقْدَحُ فِي فَصَاحَتِهِ فَضْلًا عَنْ/ كَوْنِهِ مُعْجِزًا، فَأَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِأَنَّ صِغَرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يَقْدَحُ فِي الْفَصَاحَةِ إِذَا كَانَ ذِكْرُهَا مُشْتَمِلًا عَلَى حِكَمٍ بَالِغَةٍ، فَهَذَا هُوَ الْإِشَارَةُ إِلَى كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا ثُمَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَسَائِلُ: المسألة الأولى: [في طعن اليهود في مثال الله ﷿ ببيت العنكبوت] عن ابن عباس أنه لما نزل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ [الْحَجِّ: ٧٣] فَطَعَنَ فِي أَصْنَامِهِمْ ثُمَّ شَبَّهَ عِبَادَتَهَا بِبَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ قَالَتِ الْيَهُودُ أَيُّ قَدْرٍ لِلذُّبَابِ وَالْعَنْكَبُوتِ حَتَّى يَضْرِبَ اللَّهُ الْمَثَلَ بِهِمَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ طَعَنُوا فِي ضَرْبِ الْأَمْثَالِ بِالنَّارِ وَالظُّلُمَاتِ وَالرَّعْدِ وَالْبَرْقِ فِي قَوْلِهِ: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا [الْبَقَرَةِ: ١٧] وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا الطَّعْنَ كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قال القفال: الكل محتمل هاهنا، أَمَّا الْيَهُودُ فَلِأَنَّهُ قِيلَ فِي آخِرِ الْآيَةِ: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَهَذَا صِفَةُ الْيَهُودِ، لِأَنَّ الْخِطَابَ بِالْوَفَاءِ وَبِالْعَهْدِ فِيمَا بَعْدُ إِنَّمَا هُوَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَقَدْ ذَكَرُوا فِي سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [الْمُدَّثِّرِ: ٣١] الْآيَةَ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ هُمُ الْمُنَافِقُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَحْتَمِلُ الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ فَقَدْ جُمِعَ الفريقان هاهنا: إذا ثبت هذا فنقول: احتمال الكل هاهنا قَائِمٌ لِأَنَّ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودَ كَانُوا مُتَوَافِقِينَ فِي إِيذَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ مَضَى مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ ذِكْرُ الْيَهُودِ، وَذِكْرُ الْمُنَافِقِينَ، وَذِكْرُ الْمُشْرِكِينَ. وَكُلُّهُمْ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ قَالَ الْقَفَّالُ: وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَنْزِلَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ لِأَنَّ مَعْنَاهُ فِي نَفْسِهِ مُفِيدٌ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اعْلَمْ أَنَّ الْحَيَاءَ تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ مِنْ خَوْفِ مَا يُعَابُ بِهِ وَيُذَمُّ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْحَيَاةِ يُقَالُ حَيِيَ الرجل كما يقول نَسِيَ وَخَشِيَ وَشَظِيَ الْفَرَسُ إِذَا اعْتَلَّتْ هَذِهِ الْأَعْضَاءُ. جَعَلَ الْحَيِيَّ لِمَا يَعْتَرِيهِ الِانْكِسَارُ وَالتَّغَيُّرُ مُنْكَسِرَ الْقُوَّةِ مُنَغَّصَ الْحَيَاةِ، كَمَا قَالُوا فُلَانٌ هَلَكَ حَيَاءً مِنْ كَذَا، وَمَاتَ حَيَاءً، وَرَأَيْتُ الْهَلَاكَ فِي وَجْهِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَيَاءِ، وَذَابَ حَيَاءً، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا اسْتَحَالَ الْحَيَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ تَغَيُّرٌ يَلْحَقُ الْبَدَنَ، وَذَلِكَ لَا يُعْقَلُ إِلَّا فِي حَقِّ الْجِسْمِ، وَلَكِنَّهُ وَارِدٌ فِي الْأَحَادِيثِ. رَوَى سَلْمَانُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الْعَبْدُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا حَتَّى يَضَعَ فِيهِمَا خَيْرًا» وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ تَأْوِيلُهُ وَفِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ الْقَانُونُ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، أَنَّ كُلَّ صِفَةٍ ثَبَتَتْ لِلْعَبْدِ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالْأَجْسَامِ فَإِذَا وُصِفَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى نِهَايَاتِ الْأَعْرَاضِ لَا عَلَى بِدَايَاتِ الْأَعْرَاضِ مِثَالُهُ أَنَّ الْحَيَاءَ حَالَةٌ تَحْصُلُ لِلْإِنْسَانِ لَكِنَّ لَهَا مَبْدَأً وَمُنْتَهًى، أَمَّا الْمَبْدَأُ فَهُوَ التَّغَيُّرُ الْجُسْمَانِيُّ الَّذِي يَلْحَقُ الْإِنْسَانَ مِنْ خَوْفِ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى الْقَبِيحِ، وَأَمَّا النِّهَايَةُ فَهُوَ أَنْ يَتْرُكَ الْإِنْسَانُ ذَلِكَ الْفِعْلَ، فَإِذَا وَرَدَ الْحَيَاءُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ ذَلِكَ الْخَوْفُ الَّذِي هُوَ مَبْدَأُ الْحَيَاءِ وَمُقَدَّمَتُهُ، بَلْ تَرْكُ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مُنْتَهَاهُ وَغَايَتُهُ، وَكَذَلِكَ الْغَضَبُ لَهُ، عَلَامَةٌ وَمُقَدَّمَةٌ وَهِيَ غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ، وَشَهْوَةُ الِانْتِقَامِ وَلَهُ غَايَةٌ وَهُوَ إِنْزَالُ الْعِقَابِ بِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ، فَإِذَا وَصَفْنَا اللَّهَ تَعَالَى/ بِالْغَضَبِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ ذَلِكَ الْمَبْدَأَ أَعْنِي شَهْوَةَ الِانْتِقَامِ وَغَلَيَانَ دَمِ الْقَلْبِ، بَلِ الْمُرَادُ تِلْكَ النِّهَايَةُ وَهُوَ إِنْزَالُ الْعِقَابِ، فَهَذَا هُوَ الْقَانُونُ الْكُلِّيُّ فِي هَذَا الْبَابِ. الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ تَقَعَ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي كَلَامِ الْكَفَرَةِ فَقَالُوا أَمَّا

Contents

Showing the first 200 of 2,741 headings.

Edition details

الكتاب: مفاتيح الغيب = التفسير الكبير المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (ت ٦٠٦هـ) الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة: الثالثة - ١٤٢٠ هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

Sign up to ask questions across this book and the rest of the library, with answers cited to the volume and page you can open here.

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير — الفخر الرازي | Cognoir — Cognoir