Skip to main content
← Arabic Library

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير

الفخر الرازي (ت 606هـ)

التفسير6,230 pages32 volumesPagination matches the printed edition

Vol. 3 · p. 462437 / 6,230
قَدْ نَسِيَهَا، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: ١١٥] ، وَالْجَوَابُ عَنِ الرَّابِعِ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: كَانَتِ الدَّلَالَةُ قَطْعِيَّةً إِلَّا أَنَّهُ ﵇ لَمَّا نَسِيَهَا صَارَ النِّسْيَانُ عُذْرًا فِي أَنْ لَا يَصِيرَ الذَّنْبُ كَبِيرًا أَوْ يُقَالَ: كَانَتْ ظَنِّيَّةً إِلَّا أَنَّهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ التَّشْدِيدَاتِ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى خَطَأِ سَائِرِ الْمُجْتَهِدِينَ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، وَكَمَا أَنَّ الرَّسُولَ ﵊ مَخْصُوصٌ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ فِي بَابِ التَّشْدِيدَاتِ وَالتَّخْفِيفَاتِ بِمَا لَا يَثْبُتُ في حق الأمة، فكذا هاهنا. وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ وَنَهَاهُمَا مَعًا فَظَنَّ آدَمُ ﵇ أَنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَحْدَهُ أَنْ يَقْرَبَ مِنَ الشَّجَرَةِ وَأَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْهَا، لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَلا تَقْرَبا نَهْيٌ لَهُمَا عَلَى الْجَمْعِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ النَّهْيِ حَالَ الِاجْتِمَاعِ حُصُولُهُ حَالَ الِانْفِرَادِ، فَلَعَلَّ الْخَطَأَ فِي هَذَا الِاجْتِهَادِ إِنَّمَا وَقَعَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَهَذَا جُمْلَةُ مَا يُقَالُ فِي هَذَا الْبَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ كَيْفَ تَمَكَّنَ إِبْلِيسُ مِنْ وَسْوَسَةِ آدَمَ ﵇ مَعَ أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ خَارِجَ الْجَنَّةِ وَآدَمَ كَانَ فِي الْجَنَّةِ، وَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا. أَحَدُهَا: قَوْلُ الْقُصَّاصِ وَهُوَ الَّذِي رَوَوْهُ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ الْيَمَانِيِّ وَالسُّدِّيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ إِبْلِيسُ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ مَنَعَتْهُ الْخَزَنَةُ فَأَتَى الْحَيَّةَ وَهِيَ دَابَّةٌ لَهَا أَرْبَعُ قَوَائِمَ كَأَنَّهَا الْبُخْتِيَّةُ، وَهِيَ كَأَحْسَنِ الدَّوَابِّ بعد ما عَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ فَمَا قَبِلَهُ وَاحِدٌ مِنْهَا فَابْتَلَعَتْهُ الْحَيَّةُ وَأَدْخَلَتْهُ الْجَنَّةَ خُفْيَةً مِنَ الْخَزَنَةِ، فَلَمَّا دَخَلَتِ الْحَيَّةُ الْجَنَّةَ خَرَجَ إِبْلِيسُ مِنْ فَمِهَا وَاشْتَغَلَ بِالْوَسْوَسَةِ. فَلَا جَرَمَ لُعِنَتِ الْحَيَّةُ وَسَقَطَتْ قَوَائِمُهَا وَصَارَتْ تَمْشِي عَلَى بَطْنِهَا، وَجُعِلَ رِزْقُهَا فِي التُّرَابِ، وَصَارَتْ عَدُوًّا لِبَنِي آدَمَ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا وَأَمْثَالَهُ مِمَّا يَجِبُ أَنْ لَا يُلْتَفَتَ إِلَيْهِ لِأَنَّ إِبْلِيسَ لَوْ قَدَرَ عَلَى الدُّخُولِ فِي فَمِ الْحَيَّةِ فَلِمَ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ حَيَّةً ثُمَّ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ بِالْحَيَّةِ فَلِمَ عُوقِبَتِ الْحَيَّةُ مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَاقِلَةٍ وَلَا مُكَلَّفَةٍ. وَثَانِيهَا: أَنَّ إِبْلِيسَ دَخَلَ الْجَنَّةَ فِي صُورَةِ دَابَّةٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَقَلُّ فَسَادًا مِنَ الْأَوَّلِ. وَثَالِثُهَا: قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْأُصُولِ: إِنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ ﵉ لَعَلَّهُمَا كَانَا يَخْرُجَانِ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ وَإِبْلِيسَ كان بقرب الباب ويوسوس إليهما، ورابعها: وهو قَوْلُ الْحَسَنِ: أَنَّ إِبْلِيسَ كَانَ فِي الْأَرْضِ وَأَوْصَلَ الْوَسْوَسَةَ إِلَيْهِمَا فِي الْجَنَّةِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّ الْوَسْوَسَةَ كَلَامٌ خَفِيٌّ وَالْكَلَامُ الْخَفِيُّ لَا يُمْكِنُ إِيصَالُهُ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، وَاخْتَلَفُوا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ إِبْلِيسَ هَلْ بَاشَرَ خِطَابَهُمَا أَوْ يُقَالُ إِنَّهُ أَوْصَلَ الْوَسْوَسَةَ إِلَيْهِمَا عَلَى لِسَانِ بَعْضِ أَتْبَاعِهِ. حُجَّةُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الْأَعْرَافِ: ٢١] ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْمُشَافَهَةَ، وَكَذَا قَوْلُهُ: فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ [الْأَعْرَافِ: ٢٢] . وَحُجَّةُ الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ ﵉ كَانَا يَعْرِفَانِهِ وَيَعْرِفَانِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْحَسَدِ وَالْعَدَاوَةِ، فَيَسْتَحِيلُ فِي الْعَادَةِ أَنْ يَقْبَلَا قَوْلَهُ وَأَنْ يَلْتَفِتَا إِلَيْهِ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ الْمُبَاشِرُ للوسوسة من بعض أتباع إبليس. بقي هاهنا سُؤَالَانِ، السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: / أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَضَافَ هَذَا الْإِزْلَالَ إِلَى إِبْلِيسَ فَلِمَ عَاتَبَهُمَا عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ؟ قُلْنَا مَعْنَى قَوْلِهِ: فَأَزَلَّهُمَا أَنَّهُمَا عِنْدَ وَسْوَسَتِهِ أَتَيَا بِذَلِكَ الْفِعْلِ فَأُضِيفَ ذَلِكَ إِلَى إِبْلِيسَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً [نُوحٍ: ٦] . فَقَالَ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ إِبْلِيسَ: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إِبْرَاهِيمَ: ٢٢] ، هَذَا مَا قَالَهُ الْمُعْتَزِلَةُ. وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذِهِ الْإِضَافَةِ مَا قَرَّرْنَاهُ مِرَارًا أَنَّ الْإِنْسَانَ قَادِرٌ عَلَى الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَمَعَ التَّسَاوِي يَسْتَحِيلُ أَنْ يَصِيرَ مَصْدَرًا لِأَحَدِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ إِلَّا عِنْدَ انْضِمَامِ الدَّاعِي إِلَيْهِ، وَالدَّاعِي عِبَارَةٌ فِي حَقِّ الْعَبْدِ عَنْ عِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ أو

Contents

Showing the first 200 of 2,741 headings.

Edition details

الكتاب: مفاتيح الغيب = التفسير الكبير المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (ت ٦٠٦هـ) الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة: الثالثة - ١٤٢٠ هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

Sign up to ask questions across this book and the rest of the library, with answers cited to the volume and page you can open here.