Skip to main content
← Arabic Library

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير

الفخر الرازي (ت 606هـ)

التفسير6,230 pages32 volumesPagination matches the printed edition

Vol. 1 · p. 234214 / 6,230
الْأَقْصَى إِلَى أَعَالِي مَلَكُوتِ اللَّهِ تَعَالَى، فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالظَّاهِرِ، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِعَالَمِ الْأَرْوَاحِ فَلَهُ مِعْرَاجَانِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ إِلَى عَالَمِ الْغَيْبِ. وَالثَّانِي: مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ إِلَى عَالِمِ غَيْبِ الْغَيْبِ، وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ قَابَ قَوْسَيْنِ مُتَلَاصِقَيْنِ، فَتَخَطَّاهُمَا مُحَمَّدٌ ﵇ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى [النَّجْمِ: ٩] وَقَوْلُهُ: أَوْ أَدْنى إِشَارَةٌ إِلَى فَنَائِهِ فِي نَفْسِهِ، أَمَّا الِانْتِقَالُ مِنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ إِلَى عَالَمِ الْغَيْبِ فَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِسْمِ وَالْجُسْمَانِيَّاتِ فَهُوَ مِنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّكَ تُشَاهِدُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بِبَصَرِكَ، فَانْتِقَالُ الرُّوحِ مِنْ عَالَمِ الْأَجْسَادِ إِلَى عَالَمِ الْأَرْوَاحِ هُوَ السَّفَرُ مِنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ إِلَى عَالَمِ الْغَيْبِ، وَأَمَّا عَالَمُ الْأَرْوَاحِ فَعَالَمٌ لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ آخِرَ مَرَاتِبِ الْأَرْوَاحِ هُوَ الْأَرْوَاحُ الْبَشَرِيَّةُ، ثُمَّ تَتَرَقَّى فِي مَعَارِجِ الْكَمَالَاتِ/ وَمَصَاعِدِ السَّعَادَاتِ حَتَّى تَصِلَ إِلَى الْأَرْوَاحِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِسَمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ تَصِيرُ أَعْلَى وَهِيَ أَرْوَاحُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ وَهَكَذَا حَتَّى تَصِلَ إِلَى الْأَرْوَاحِ الَّذِينَ هُمْ سُكَّانُ دَرَجَاتِ الْكُرْسِيِّ، وَهِيَ أَيْضًا مُتَفَاوِتَةٌ فِي الِاسْتِعْلَاءِ، ثُمَّ تَصِيرُ أَعْلَى وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ الْمُشَارُ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ [الزُّمَرِ: ٧٥] ثُمَّ تَصِيرُ أَعْلَى وَأَعْظَمَ وَهُمُ الْمُشَارُ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ [الْحَاقَّةِ: ١٧] وَفِي عَدَدِ الثَّمَانِيَةِ أَسْرَارٌ لَا يَجُوزُ ذكرها هاهنا ثُمَّ تَتَرَقَّى فَتَنْتَهِي إِلَى الْأَرْوَاحِ الْمُقَدَّسَةِ عَنِ التَّعَلُّقَاتِ بِالْأَجْسَامِ، وَهُمُ الَّذِينَ طَعَامُهُمْ ذِكْرُ اللَّهِ، وَشَرَابُهُمْ مَحَبَّةُ اللَّهِ، وَأُنْسُهُمْ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ، وَلَذَّتُهُمْ فِي خِدْمَةِ اللَّهِ، وَإِلَيْهِمُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٩] وَبِقَوْلِهِ: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لَا يَفْتُرُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٠] ثُمَّ لَهُمْ أَيْضًا دَرَجَاتٌ مُتَفَاوِتَةٌ، وَمَرَاتِبُ مُتَبَاعِدَةٌ، وَالْعُقُولُ الْبَشَرِيَّةُ قَاصِرَةٌ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِأَحْوَالِهَا، وَالْوُقُوفِ عَلَى شَرْحِ صِفَاتِهَا، وَلَا يَزَالُ هَذَا التَّرَقِّي وَالتَّصَاعُدُ حَاصِلًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يُوسُفَ: ٧٦] إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إِلَى نُورِ الْأَنْوَارِ، وَمُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ، وَمَبْدَأِ الْكُلِّ، وَيَنْبُوعِ الرَّحْمَةِ، وَمَبْدَأِ الْخَيْرِ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، فَثَبَتَ أَنَّ عَالَمَ الْأَرْوَاحِ هُوَ عَالَمُ الْغَيْبِ، وَحَضْرَةُ جَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ هِيَ غَيْبُ الْغَيْبِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ﵊: «إِنَّ لِلَّهِ سَبْعِينَ حِجَابًا مِنَ النُّورِ لَوْ كَشَفَهَا لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ مَا أَدْرَكَ الْبَصَرُ» وَتَقْدِيرُ عَدَدِ تِلْكَ الْحُجُبِ بِالسَّبْعِينَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِنُورِ النُّبُوَّةِ. فَقَدْ ظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمِعْرَاجَ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَوَّلُهُمَا: الْمِعْرَاجُ مِنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ إِلَى عَالَمِ الْغَيْبِ، وَالثَّانِي: الْمِعْرَاجُ من عالم الغيب إلى عالم غيب الغيب، وَهَذِهِ كَلِمَاتٌ بُرْهَانِيَّةٌ يَقِينِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَلْنَرْجِعْ إِلَى الْمَقْصُودِ فَنَقُولُ: إِنَّ مُحَمَّدًا ﵇ لَمَّا وَصَلَ إِلَى الْمِعْرَاجِ وَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ قَالَ: يَا رَبَّ الْعِزَّةِ إِنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعُودَ إِلَى وَطَنِهِ احْتَاجَ إِلَى مَحْمُولَاتٍ يُتْحِفُ بِهَا أَصْحَابَهُ وَأَحْبَابَهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ تُحْفَةَ أُمَّتِكَ الصَّلَاةُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا جَامِعَةٌ بَيْنَ الْمِعْرَاجِ الْجُسْمَانِيِّ، وَبَيْنَ الْمِعْرَاجِ الرُّوحَانِيِّ: أَمَّا الْجُسْمَانِيُّ فَبِالْأَفْعَالِ، وَأَمَّا الرُّوحَانِيُّ فَبِالْأَذْكَارِ، فَإِذَا أَرَدْتَ أَيُّهَا الْعَبْدُ الشُّرُوعَ فِي هَذَا الْمِعْرَاجِ فَتَطَهَّرْ أَوَّلًا، لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ الْقُدُسِ، فَلْيَكُنْ ثَوْبُكَ طَاهِرًا، وَبَدَنُكَ طَاهِرًا لِأَنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى، وَأَيْضًا فَعِنْدَكَ مَلِكٌ وَشَيْطَانٌ، فَانْظُرْ أَيُّهُمَا تُصَاحِبُ: وَدِينٌ وَدُنْيَا، فَانْظُرْ أَيُّهُمَا تُصَاحِبُ: وَعَقْلٌ وَهَوًى، فَانْظُرْ أَيُّهُمَا تُصَاحِبُ: وَخَيْرٌ وَشَرٌّ، وَصِدْقٌ وَكَذِبٌ، وَحَقٌّ وَبَاطِلٌ، وَحِلْمٌ وَطَيْشٌ، وَقَنَاعَةٌ وَحِرْصٌ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي كُلِّ الْأَخْلَاقِ الْمُتَضَادَّةِ وَالصِّفَاتِ الْمُتَنَافِيَةِ، فَانْظُرْ أَنَّكَ تُصَاحِبُ أَيَّ الطَّرَفَيْنِ وَتُوَافِقُ أَيَّ الْجَانِبَيْنِ/ فَإِنَّهُ إِذَا اسْتَحْكَمَتِ الْمُرَافَقَةُ تعذرت المفارقة،

Contents

Showing the first 200 of 2,741 headings.

Edition details

الكتاب: مفاتيح الغيب = التفسير الكبير المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (ت ٦٠٦هـ) الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت الطبعة: الثالثة - ١٤٢٠ هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

Sign up to ask questions across this book and the rest of the library, with answers cited to the volume and page you can open here.