Skip to main content
← Arabic Library

فتح القدير للشوكاني

الشوكاني (ت 1250هـ)

التفسير3,584 pages6 volumesPagination matches the printed edition

Vol. 1 · p. 481477 / 3,584
لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ «١» . وَأَمَّا قِرَاءَةُ النَّصْبِ فَمَعْنَاهَا وَاضِحٌ جَلِيٌّ، لِأَنَّهُ عَطَفَ الرَّحِمَ عَلَى الِاسْمِ الشَّرِيفِ، أَيِ: اتَّقُوا الله واتقوا الأرحام فلا تقطعوها، فإنهما مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَقِيلَ: إِنَّهُ عَطْفٌ عَلَى مَحَلِّ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ فِي قَوْلِهِ: بِهِ كَقَوْلِكَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وَعُمْرًا، أَيِ: اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَتَتَسَاءَلُونَ بِالْأَرْحَامِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ: وَالْأَرْحَامُ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ مُقَدَّرٌ، أَيْ: وَالْأَرْحَامُ صِلُوهَا، أَوْ: وَالْأَرْحَامُ أَهْلٌ أَنْ تُوصَلَ، وَقِيلَ: إِنَّ الرَّفْعَ عَلَى الْإِغْرَاءِ عِنْدَ مَنْ يَرْفَعُ بِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: إِنَّ قَوْمًا مِنْهُمْ عَمِيرٌ وَأَشْبَا ... هُـ عَمِيرٍ وَمِنْهُمُ السَّفَّاحُ لجديرون باللّقاء إذا قا ... ل أخو النَّجْدَةِ: السِّلَاحُ السِّلَاحُ وَالْأَرْحَامُ: اسْمٌ لِجَمِيعِ الْأَقَارِبِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْمُحَرَّمِ وَغَيْرِهِ، لَا خِلَافَ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الشَّرْعِ، وَلَا بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ. وَقَدْ خَصَّصَ أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ الرَّحِمَ بِالْمُحَرَّمِ فِي مَنْعِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ مَعَ مُوَافَقَتِهِمْ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهَا أَعَمُّ، وَلَا وَجْهَ لِهَذَا التَّخْصِيصِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: اتَّفَقَتِ الْمِلَّةُ عَلَى أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ وَاجِبَةٌ، وَأَنْ قَطِيعَتَهَا مُحَرَّمَةٌ. انْتَهَى. وَقَدْ وَرَدَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ الصَّحِيحَةُ. وَالرَّقِيبُ: الْمُرَاقِبُ، وَهِيَ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ، يُقَالُ: رَقَبْتُ، أَرْقُبُ، رُقْبَةً وَرُقْبَانًا: إِذَا انْتَظَرْتَ. قَوْلُهُ: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ وَالْأَوْصِيَاءِ. وَالْإِيتَاءُ: الْإِعْطَاءُ. وَالْيَتِيمُ: مَنْ لَا أَبَ لَهُ. وَقَدْ خَصَّصَهُ الشَّرْعُ بِمَنْ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مَعْنَاهُ فِي الْبَقَرَةِ مُسْتَوْفًى، وَأَطْلَقَ اسْمَ الْيَتِيمِ عَلَيْهِمْ عِنْدَ إِعْطَائِهِمْ أَمْوَالَهُمْ- مَعَ أَنَّهُمْ لَا يُعْطَوْنَهَا إِلَّا بَعْدَ ارتفاع اسم اليتيم بِالْبُلُوغِ- مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ: بِالْيَتَامَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ، وَبِالْإِيتَاءِ: مَا يَدْفَعُهُ الْأَوْلِيَاءُ وَالْأَوْصِيَاءُ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ، لا دفعها جميعا، وهذا الْآيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِالْآيَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ «٢» فَلَا يَكُونُ مُجَرَّدُ ارْتِفَاعِ الْيُتْمِ بِالْبُلُوغِ مُسَوِّغًا لِدَفْعِ أَمْوَالِهِمْ إِلَيْهِمْ، حَتَّى يُؤْنَسَ مِنْهُمُ الرُّشْدُ. قَوْلُهُ: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ نَهْيٌ لَهُمْ عَنْ أَنْ يَصْنَعُوا صُنْعَ الْجَاهِلِيَّةِ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ الطَّيِّبَ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَيُعَوِّضُونَهُ بِالرَّدِيءِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَا يَرَوْنَ بِذَلِكَ بَأْسًا، وَقِيلَ: الْمَعْنَى: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَ الْيَتَامَى- وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ خَبِيثَةٌ- وَتَدَعُوا الطَّيِّبَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ: لَا تَتَعَجَّلُوا أَكْلَ الْخَبِيثِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَتَدَعُوا انْتِظَارَ الرِّزْقِ الْحَلَالِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَإِنَّ تَبَدُّلَ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ فِي اللُّغَةِ: أَخْذُهُ مَكَانَهُ، وَكَذَلِكَ اسْتِبْدَالُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ «٣» وَقَوْلُهُ: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ «٤» . وَأَمَّا التَّبْدِيلُ: فَقَدْ يُسْتَعْمَلُ كَذَلِكَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ «٥» ، وَأُخْرَى بِالْعَكْسِ، كَمَا فِي قَوْلِكَ: بَدَّلْتُ الْحَلْقَةَ بِالْخَاتَمِ: إِذَا أَذَبْتَهَا وَجَعَلْتَهَا خَاتَمًا، نَصَّ عَلَيْهِ الْأَزْهَرِيُّ. قَوْلُهُ: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: إِلَى أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ الْخَلْطُ، فَيَكُونُ الْفِعْلُ مُضَمَّنًا مَعْنَى الضَّمِّ، أَيْ: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ مَضْمُومَةً إِلَى أَمْوَالِكُمْ، ثُمَّ نَسَخَ هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ «٦» وَقِيلَ: إِنَّ: إِلَى، بِمَعْنَى: مَعَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ «٧» . وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَالْحُوبُ: الْإِثْمُ، يُقَالُ: حَابَ الرَّجُلُ، يَحُوبُ، حُوبًا: إِذَا أَثِمَ، وَأَصْلُهُ: الزَّجْرُ لِلْإِبِلِ،

Footnotes

(١) . الحجر: ٢٠. (٢) . النساء: ٦. (٣) . البقرة: ١٠٨. (٤) . البقرة: ٦١. (٥) . سبأ: ١٦. (٦) . البقرة: ٢٢٠. (٧) . آل عمران: ٥٢.

Contents

Showing the first 200 of 1,113 headings.

Edition details

الكتاب: فتح القدير المؤلف: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (ت ١٢٥٠هـ) الناشر: دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت الطبعة: الأولى - ١٤١٤ هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

Sign up to ask questions across this book and the rest of the library, with answers cited to the volume and page you can open here.

فتح القدير للشوكاني — الشوكاني | Cognoir — Cognoir