Skip to main content
← Arabic Library

فتح القدير للشوكاني

الشوكاني (ت 1250هـ)

التفسير3,584 pages6 volumesPagination matches the printed edition

Vol. 1 · p. 475471 / 3,584
الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَسَمَّاهُ: قَلِيلًا، لِأَنَّهُ فَانٍ، وَكُلُّ فَانٍ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَهُوَ قَلِيلٌ. وَقَوْلُهُ: وَبِئْسَ الْمِهادُ مَا مَهَّدُوا لِأَنْفُسِهِمْ فِي جَهَنَّمَ بِكُفْرِهِمْ، أَوْ: مَا مَهَّدَ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ النَّارِ، فَالْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ: وَهُوَ هَذَا الْمُقَدَّرُ. قَوْلُهُ: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ هُوَ اسْتِدْرَاكٌ مِمَّا تَقَدَّمَهُ، لأن معناه النَّفْيِ، كَأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فِي الْبِلَادِ كَثِيرُ انْتِفَاعٍ: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا لَهُمُ الِانْتِفَاعُ الْكَثِيرُ، وَالْخُلْدُ الدَّائِمُ. وَقَرَأَ يَزِيدُ ابن الْقَعْقَاعِ: لَكِنَّ، بِتَشْدِيدِ النُّونِ. قَوْلُهُ: نُزُلًا مَصْدَرٌ مؤكد عن الْبَصْرِيِّينَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي ثَواباً وَعِنْدَ الْكِسَائِيِّ وَالْفَرَّاءِ مِثْلَ مَا قَالَا فِي: ثَوَابًا، وَالنُّزُلُ: مَا يُهَيَّأُ لِلنَّزِيلِ، وَالْجَمْعُ أَنَزَالٌ، قَالَ الْهَرَوِيُّ: نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَيْ: ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ مِمَّا أَعَدَّهُ لِمَنْ أَطَاعَهُ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ مِمَّا يَحْصُلُ لِلْكُفَّارِ مِنَ الرِّبْحِ فِي الْأَسْفَارِ، فَإِنَّهُ مَتَاعٌ قَلِيلٌ، عَنْ قَرِيبٍ يَزُولُ. قَوْلُهُ: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ هَذِهِ الْجُمْلَةُ سِيقَتْ لِبَيَانِ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَهُمْ حَظٌّ مِنَ الدِّينِ، وَلَيْسُوا كَسَائِرِهِمْ فِي فَضَائِحِهِمُ الَّتِي حَكَاهَا اللَّهُ عَنْهُمْ فِيمَا سَبَقَ، وَفِيمَا سَيَأْتِي، فَإِنَّ هَذَا الْبَعْضَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَبِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَمَا أَنْزَلَهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ حَالَ كَوْنِهِمْ: خاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ أَيْ: يَسْتَبْدِلُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ، كَمَا يَفْعَلُهُ سَائِرُهُمْ، بَلْ يَحْكُونَ كُتُبَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ كَمَا هِيَ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولئِكَ إِلَى هَذِهِ الطَّائِفَةِ الصَّالِحَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، مِنْ حَيْثُ اتِّصَافِهِمْ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ لَهُمْ أَجْرُهُمْ الَّذِي وَعَدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ بِقَوْلِهِ: أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ وَتَقْدِيمُ الْخَبَرِ يُفِيدُ اخْتِصَاصَ ذَلِكَ الْأَجْرِ بِهِمْ. وَقَوْلُهُ: عِنْدَ رَبِّهِمْ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ على الحال. قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا إِلَخْ. هَذِهِ الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ مِنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ خَتَمَ بِهَا هَذِهِ السُّورَةَ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْوَصَايَا الَّتِي جَمَعَتْ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَحَضَّ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى الطَّاعَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَالصَّبْرُ: الْحَبْسُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنَاهُ. وَالْمُصَابَرَةُ مُصَابَرَةُ الْأَعْدَاءِ، قَالَهُ الْجُمْهُورُ، أَيْ: غَالِبُوهُمْ فِي الصَّبْرِ على شدائد الحرب، وَخَصَّ الْمُصَابَرَةَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الصَّبْرَ: لِكَوْنِهَا أَشَدَّ مِنْهُ وَأَشَقَّ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى صَابِرُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ، وَقِيلَ: صَابِرُوا الْأَنْفُسَ عَنْ شَهَوَاتِهَا وقيل: صابروا الوعد الذي وعدتم ولا تيأسوا، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْنَى الْعَرَبِيُّ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: فَلَمْ أَرَ حَيًّا صَابَرُوا مِثْلَ صَبْرِنَا ... وَلَا كَافَحُوا مِثْلَ الَّذِينَ نُكَافِحُ أَيْ: صَابَرُوا الْعَدُوَّ فِي الْحَرْبِ. قَوْلُهُ: وَرابِطُوا أَيْ: أَقِيمُوا فِي الثُّغُورِ رَابِطِينَ خَيْلَكُمْ فِيهَا، كَمَا يَرْبُطُهَا أعداؤكم، هذا قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذِهِ الْآيَةُ فِي انْتِظَارِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوٌ يُرَابَطُ فِيهِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ مَنْ خَرَجَ عَنْهُ هَذَا، وَالرِّبَاطُ اللُّغَوِيُّ هُوَ الْأَوَّلُ، ولا ينافيه تسميته ﷺ لِغَيْرِهِ رِبَاطًا كَمَا سَيَأْتِي. وَيُمْكِنُ إِطْلَاقُ الرِّبَاطِ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَعَلَى انْتِظَارِ الصَّلَاةِ. قَالَ الْخَلِيلُ: الرِّبَاطُ مُلَازَمَةُ الثُّغُورِ وَمُوَاظَبَةُ الصَّلَاةِ، هَكَذَا قَالَ: وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ. وَحَكَى ابْنُ فَارِسٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يُقَالُ: مَاءٌ مُتَرَابِطٌ: دَائِمٌ لَا يَبْرَحُ، وَهُوَ يَقْتَضِي تَعْدِيَةَ الرِّبَاطِ إِلَى غَيْرِ ارْتِبَاطِ الْخَيْلِ فِي الثُّغُورِ. قَوْلُهُ: وَاتَّقُوا اللَّهَ فَلَا تُخَالِفُوا مَا شَرَعَهُ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أَيْ:

Contents

Showing the first 200 of 1,113 headings.

Edition details

الكتاب: فتح القدير المؤلف: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (ت ١٢٥٠هـ) الناشر: دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت الطبعة: الأولى - ١٤١٤ هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

Sign up to ask questions across this book and the rest of the library, with answers cited to the volume and page you can open here.