Skip to main content
← Arabic Library

فتح القدير للشوكاني

الشوكاني (ت 1250هـ)

التفسير3,584 pages6 volumesPagination matches the printed edition

Vol. 1 · p. 119115 / 3,584
وَقَدْ قَرَأَ الْأَعْمَشُ يَتَشَقَّقُ عَلَى الْأَصْلِ. وَقَرَأَ ابْنُ مُصَرِّفٍ يَنْشَقُّ بِالنُّونِ، وَالشَّقُّ: وَاحِدُ الشُّقُوقِ، وَهُوَ يَكُونُ بِالطُّولِ أَوْ بِالْعَرْضِ، بِخِلَافِ الِانْفِجَارِ، فَهُوَ الِانْفِتَاحُ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مَعَ اتِّسَاعِ الْخَرْقِ. وَالْمُرَادُ: أَنَّ الْمَاءَ يَخْرُجُ مِنَ الْحِجَارَةِ مِنْ مَوَاضِعِ الِانْفِجَارِ وَالِانْشِقَاقِ، وَمِنَ الْحِجَارَةِ مَا يَهْبِطُ: أَيْ يَنْحَطُّ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ إِلَى أَسْفَلَ مِنْهُ مِنَ الْخَشْيَةِ لِلَّهِ الَّتِي تُدَاخِلُهُ وَتَحِلُّ بِهِ وَقِيلَ: إِنَّ الْهُبُوطَ مَجَازٌ عَنِ الْخُشُوعِ مِنْهَا، وَالتَّوَاضُعِ الْكَائِنِ فِيهَا انْقِيَادًا لِلَّهِ ﷿، فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ «١» وَقَدْ حَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ فِرْقَةٍ: أَنَّ الْخَشْيَةَ لِلْحِجَارَةِ مُسْتَعَارَةٌ كَمَا اسْتُعِيرَتِ الْإِرَادَةُ لِلْجِدَارِ «٢» ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: لَمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَوَاضَعَتْ ... سُورُ الْمَدِينَةِ وَالْجِبَالُ الْخُشَّعُ وَذَكَرَ الْجَاحِظُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: وَإِنَّ مِنْها رَاجِعٌ إِلَى الْقُلُوبِ لَا إِلَى الْحِجَارَةِ، وَهُوَ فَاسِدٌ، فَإِنَّ الْغَرَضَ مِنْ سِيَاقِ هَذَا الْكَلَامِ هُوَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ قُلُوبَ هَؤُلَاءِ بَلَغَتْ فِي الْقَسْوَةِ وَفَرْطِ الْيُبْسِ الْمُوجِبَيْنِ لِعَدَمِ قَبُولِ الْحَقِّ وَالتَّأَثُّرِ لِلْمَوَاعِظِ إِلَى مَكَانٍ لَمْ تَبْلُغْ إِلَيْهِ الْحِجَارَةُ، الَّتِي هِيَ أَشَدُّ الْأَجْسَامِ صَلَابَةً وَأَعْظَمُهَا صَلَادَةً، فَإِنَّهَا ترجع إلى نوع من اللين، وهي تَفَجُّرُهَا بِالْمَاءِ وَتَشَقُّقُهَا عَنْهُ وَقَبُولُهَا لِمَا تُوجِبُهُ الْخَشْيَةُ لِلَّهِ مِنَ الْخُشُوعِ وَالِانْقِيَادِ بِخِلَافِ تِلْكَ الْقُلُوبِ. وَفِي قَوْلِهِ: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ مِنَ التَّهْدِيدِ وَتَشْدِيدِ الْوَعِيدِ مَا لَا يَخْفَى، فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِمَا يَعْمَلُونَهُ مُطَّلِعًا عَلَيْهِ غَيْرَ غَافِلٍ عَنْهُ كَانَ لِمُجَازَاتِهِمْ بِالْمِرْصَادِ. وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قوله: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ قَالَ: اخْتَلَفْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ قَالَ: مَا تُغَيِّبُونَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: مَا عَمِلَ رَجُلٌ حَسَنَةً فِي سَبْعَةِ أَبْيَاتٍ إِلَّا أَظْهَرَهَا اللَّهُ، وَمَا عَمِلَ رِجْلٌ سَيِّئَةً فِي سَبْعَةِ أَبْيَاتٍ إِلَّا أظهرها، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَمِلَ عَمَلًا فِي صَخْرَةٍ صَمَّاءَ لَا بَابَ لَهَا وَلَا كُوَّةَ خَرَجَ عَمَلُهُ إِلَى النَّاسِ كَائِنًا مَا كَانَ» وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ سَرِيرَةٌ صَالِحَةٌ أَوْ سَيِّئَةٌ أَظْهَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْهَا رِدَاءً يُعْرَفُ بِهِ» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا بِنَحْوِهِ مِنْ قَوْلِ عُثْمَانَ قَالَ: وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا حَدِيثًا طَوِيلًا فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ اللَّهَ يُلْبِسُ كُلَّ عَامِلٍ عَمَلَهُ حَتَّى يَتَحَدَّثَ بِهِ النَّاسُ وَيَزِيدُونَ، وَلَوْ عَمِلَهُ فِي جَوْفِ بَيْتٍ إِلَى سَبْعِينَ بَيْتًا عَلَى كُلِّ بَيْتٍ بَابٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَيْضًا مَرْفُوعًا: «إِنَّ اللَّهَ مُرْدٍ كُلَّ امْرِئٍ رِدَاءَ عَمَلِهِ» . وَلِجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَلِمَاتٌ تُفِيدُ هَذَا الْمَعْنَى. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها قال: ضرب

Footnotes

(١) . الحشر: ٢١. (٢) . في هذا إشارة إلى قوله تعالى في سورة الكهف [الآية: ٧٧] : فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ....

Contents

Showing the first 200 of 1,113 headings.

Edition details

الكتاب: فتح القدير المؤلف: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (ت ١٢٥٠هـ) الناشر: دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت الطبعة: الأولى - ١٤١٤ هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

Sign up to ask questions across this book and the rest of the library, with answers cited to the volume and page you can open here.