Vol. 1 · p. 478474 / 3,584
سورة النّساء
هِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّهَا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِلَّا آيَةً وَاحِدَةً نَزَلَتْ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ: فِي عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ الْحَجْبِيِّ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها عَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ النَّقَّاشُ: وَقِيلَ:
نَزَلَتْ عِنْدَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ حَيْثُمَا وَقَعَ، فَإِنَّهُ مَكِّيٌّ يُلْزِمُ أَنْ يَكُونَ صدر هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيًّا، وَبِهِ قَالَ عَلْقَمَةُ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ النَّحَّاسُ: هَذِهِ الْآيَةُ مَكِّيَّةٌ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا نَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَعْنِي: قَدْ بَنَى بِهَا. وَلَا خِلَافَ بين العلماء أن النبي ﷺ إِنَّمَا بَنَى بِعَائِشَةَ بِالْمَدِينَةِ، وَمَنْ تَبَيَّنَ أَحْكَامَهَا عَلِمَ أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ لَا شَكَّ فِيهَا. قَالَ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَكِّيٌّ حَيْثُ وَقَعَ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّ الْبَقَرَةَ مَدَنِيَّةٌ وَفِيهَا يَا أَيُّهَا النَّاسُ فِي مَوْضِعَيْنِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ فِي فَضَائِلِهِ وَالنَّحَّاسُ فِي نَاسِخِهِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ بِالْمَدِينَةِ، وَفِي إِسْنَادِهِ الْعَوْفِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَكَذَا أخرجه ابن مردويه عن عبد الله ابن الزُّبَيْرِ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ قَتَادَةَ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي فَضْلِ هَذِهِ السُّورَةِ: مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ لَخَمْسَ آيَاتٍ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ الآية، وإِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ الْآيَةِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ الْآيَةَ، وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ الْآيَةَ. ثُمَّ قَالَ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِنْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: خَمْسُ آيَاتٍ مِنَ النِّسَاءِ هُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ الْآيَةَ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها الْآيَةِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ الآية، مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ
الآية، وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ الآية. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. ثُمَّ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ثَمَانُ آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ هُنَّ خَيْرٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ، وَذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وزاد: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ الآية، وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ الآية، يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ الآية. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَابْنُ الضُّرَيْسِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ، والبيهقي عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَخْذَ السَّبْعَ فَهُوَ حَبْرٌ» . وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أعطيت مكان التوراة السبع، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضلت بالمفصل» «١» . وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، والحاكم،