p. 227232 / 280
عَلَى بَعْضٍ فِي الْحَدِيثِ -أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ فِي رَمَضَانَ، وَكَانَتِ الْحُدَيْبِيَةُ فِي شَوَّالَ؛ حَتَّى إِذَا كَانَ بِعَسَفَانَ لَقِيَهُ رِجَالٌ مِنْ بَنِي كَعْبٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا تَرَكْنَا قُرَيْشًا قَدْ جَمَعَتْ أَحَابِيشَهَا تُطْعِمُهُمُ الْخَزِيرَ١ يُرِيدُونَ أَنْ يَصُدُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ.
فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا برز من عسفان لقيم خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ طَلِيعَةً لِقُرَيْشٍ؛ فَاسْتَقْبَلَهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَذَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ سَرْوَعَتَيْنِ٢ وَمَالَ عَنْ سَنَنِ الطَّرِيقِ حَتَّى نَزَلَ الْغَمِيمَ٣؛ فَلَمَّا نَزَلَ الْغَمِيمَ تَشَهَّدَ، فَحَمَدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهله ثمَّ قَالَ، وَأما بَعْدُ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ جَمَعَتْ أَحَابِيشَهَا٤ تُطْعِمُهُمُ الْخَزِيرَ يُرِيدُونَ أَنْ يَصُدُّونَا عَنِ الْبَيْتِ فَأَشِيرُوا عَلَيَّ مَا تَرَوْنَ، أَتَرَوْنَ أَنْ نَعْمِدَ إِلَى الرَّأْسِ -يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ- أَوْ نَعْمِدَ إِلَى الَّذِينَ أَعَانُوهُمْ فنخالفهم إِلَى نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ؛ فَإِنْ جَلَسُوا جَلَسُوا مَهْزُومِينَ مَوْتُورِينَ، وَإِنْ طَلَبُونَا طَلَبُوا طَلَبًا مُدَانِيًا ضَعِيفًا فَأَخْزَاهُمُ اللَّهُ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: نَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ نَعْمِدَ إِلَى الرَّأْسِ -يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ- فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَاصِرُكَ، وَإِنَّ اللَّهَ مُعِينُكَ، وَإِنَّ اللَّهَ مُظْهِرُكَ، وَقَالَ الْمِقْدَادُ: إِنَّا وَاللَّهِ لَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِنَبِيِّهَا: "اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ"؛ وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ؛ فخرخ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذا غش الحزم وَدَخَلَ أَنْصَابَهُ٥ بَرَكَتْ نَاقَتُهُ الْجَدْعَاءُ؛ فَقَالَ النَّاسُ: خَلأتْ٦، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا خَلأتْ وَمَا الْخَلاءُ بِعَادَتِهَا وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ عَنْ مَكَّةَ، لَا تَدْعُونِي قُرَيْشٌ إِلَى تَعْظِيمِ الْمَحَارِمِ فَيَسْبِقُونِي إِلَيْهِ، هَلُمُّوا هَهُنَا"؛ لأَصْحَابِهِ -وَأَخَذَ ذَاتَ الْيَمِينِ فسلك تَثْنِيَة تدعى ذَات الحنظل حَتَّى هَبَط على الْحُدَيْبِيَةَ؛ فَلَمَّا نَزَلَ اسْتَقَى النَّاسُ مِنْ بِئْرٍ فَنَزَفَتْ٧ وَلَمْ تَقُمْ بِهِمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ سَهْمًا من كِنَانَته؛ فَقَالَ: "اغرزوه فِيهَا" فغرزوه فَجَاشَتْ وَطَمِيَ مَاؤُهَا حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ عَنْهُ بِالْعَطَنِ٨؛ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِهِ قُرَيْشٌ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ أَخَا