Vol. 1 · p. 291 314 / 1,408
(أَشَدُّ مَا أُوذِيَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ :
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ أَشَدَّ مَا لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قُرَيْشٍ أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا فَلَمْ يَلْقَهُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ إلَّا كَذَّبَهُ وَآذَاهُ، لَا حُرٌّ وَلَا عَبْدٌ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى مَنْزِلِهِ، فَتَدَثَّرَ مِنْ شِدَّةِ مَا أَصَابَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ [١] ٧٤: ١- ٢.
إسْلَامُ حَمْزَةَ ﵀ [٢]
(أَذَاةُ أَبِي جَهْلٍ لِلرَّسُولِ ﷺ، وَوُقُوفُ حَمْزَةَ عَلَى ذَلِكَ) :
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ، كَانَ وَاعِيَةً: أَنَّ أَبَا جَهْلٍ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الصَّفَا، فَآذَاهُ وَشَتَمَهُ، وَنَالَ مِنْهُ بَعْضَ مَا يَكْرَهُ مِنْ الْعَيْبِ لِدِينِهِ، وَالتَّضْعِيفِ لِأَمْرِهِ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَمَوْلَاةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ
Footnotes
[١] قَالَ السهيليّ: «قَالَ بعض أهل الْعلم: فِي تَسْمِيَته إِيَّاه بالمدثر فِي هَذَا الْمقَام ملاطفة وتأنيس، وَمن عَادَة الْعَرَب إِذا قصدت الملاطفة أَن تسمى الْمُخَاطب باسم مُشْتَقّ من الْحَالة الَّتِي هُوَ فِيهَا، كَقَوْلِه ﵊ لِحُذَيْفَة: قُم يَا نومان. وَقَوله لعلى بن أَبى طَالب وَقد ترب جنبه قُم أَبَا تُرَاب. فَلَو ناداه سُبْحَانَهُ وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَال من الكرب باسمه، أَو بِالْأَمر الْمُجَرّد من هَذِه الملاطفة لهاله ذَلِك، وَلَكِن لما بُدِئَ بيا أَيهَا المدثر أنس، وَعلم أَن ربه رَاض عَنهُ، أَلا ترَاهُ كَيفَ قَالَ عِنْد مَا لَقِي من أهل الطَّائِف من شدَّة الْبلَاء وَالْكرب مَا لَقِي: رب إِن لم يكن بك غضب على فَلَا أبالى. إِلَى آخر الدُّعَاء، فَكَانَ مَطْلُوبَة رضَا ربه، وَبِه كَانَت تهون عَلَيْهِ الشدائد» . ثمَّ قَالَ: «فان قيل: كَيفَ يَنْتَظِم «يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ٧٤: ١» مَعَ قَوْله: «قُمْ فَأَنْذِرْ ٧٤: ٢» ؟ وَمَا الرابط بَين الْمَعْنيين حَتَّى يلتئما فِي قانون البلاغة، ويتشاكلا فِي حكم الفصاحة؟ قُلْنَا: من صفته ﵊، مَا وصف بِهِ نَفسه حِين قَالَ: أَنا النذير الْعُرْيَان. وَهُوَ مثل مَعْرُوف عِنْد الْعَرَب، يُقَال لمن أنذر بِقرب الْعَدو، وَبَالغ فِي الْإِنْذَار: هُوَ النذير الْعُرْيَان. وَذَلِكَ أَن النذير الجاد يجرد ثَوْبه، وَهُوَ يُشِير بِهِ إِذا خَافَ أَن يسْبق الْعَدو صَوته. وَقد قيل: إِن أصل الْمثل لرجل من خثعم، سلبه الْعَدو ثَوْبه، وَقَطعُوا يَده، فَانْطَلق إِلَى قومه نذيرا على تِلْكَ الْحَال، فَقَوله ﵊: أَنا النذير الْعُرْيَان أَي مثلي مثل ذَلِك. والنذير بالثياب، مضاد للتعرى، فَكَانَ فِي قَوْله: «يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ٧٤: ١» . مَعَ قَوْله «قُمْ فَأَنْذِرْ ٧٤: ٢» ، والنذير الجاد يُسمى الْعُرْيَان، تشاكل بَين، والتئام بديع، وسياقة فِي الْمَعْنى، وجزالة فِي اللَّفْظ» .
[٢] وَأم حَمْزَة: هَالة بنت أهيب بن عبد منَاف بن زهرَة، وأهيب عَم آمِنَة بنت وهب، تزَوجهَا عبد الْمطلب وَتزَوج ابْنه عبد الله آمِنَة فِي سَاعَة وَاحِدَة، فَولدت هَالة لعبد الْمطلب حَمْزَة، وَولدت آمِنَة لعبد الله رَسُول الله ﷺ، ثمَّ أرضعتهما ثويبة.