Vol. 1 · p. 307 330 / 1,408
قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً. إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً فَأَتْبَعَ سَبَباً ١٨: ٨٣- ٨٥ حَتَّى انْتَهَى إلَى آخِرِ قِصَّةِ خَبَرِهِ.
وَكَانَ مِنْ خَبَرِ ذِي الْقَرْنَيْنِ أَنَّهُ أُوتِيَ مَا لَمْ يُؤْتَ أَحَدٌ غَيْرُهُ، فَمُدَّتْ لَهُ الْأَسْبَابُ حَتَّى انْتَهَى مِنْ الْبِلَادِ إلَى مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، لَا يَطَأُ أَرْضًا إلَّا سُلِّطَ عَلَى أَهْلِهَا، حَتَّى انْتَهَى مِنْ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إلَى مَا لَيْسَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ مِنْ الْخَلْقِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مِنْ يَسُوقُ الْأَحَادِيثَ عَنْ الْأَعَاجِمِ فِيمَا تَوَارَثُوا مِنْ عِلْمِهِ: أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ. اسْمُهُ مَرْزُبَانُ بْنُ مَرْذُبَةَ الْيُونَانِيُّ، مِنْ وَلَدِ يُونَانِ بْنِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُهُ الْإِسْكَنْدَرُ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ فَنُسِبَتْ إلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ الْكُلَاعِيُّ، وَكَانَ رَجُلًا قَدْ أَدْرَكَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ [١] فَقَالَ: مَلِكٌ مَسَحَ الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِهَا بِالْأَسْبَابِ. وَقَالَ خَالِدٌ: سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ رَجُلًا يَقُولُ: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ، فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهمّ غَفْرًا، أَمَا رَضِيتُمْ أَنْ تَسَمَّوْا بِالْأَنْبِيَاءِ حَتَّى تَسَمَّيْتُمْ بِالْمَلَائِكَةِ [٢] .
Footnotes
[١] عقد السهيليّ عَن ذِي القرنين وَالْخلاف فِي اسْمه فصلا طَويلا رَأينَا أَن نمسك عَنهُ إِذْ الْخلاف فِيهِ كثير وَلَا طائل تَحْتَهُ.
[٢] قَالَ السهيليّ: «وَكَانَ مَذْهَب عمر ﵀ كَرَاهِيَة التسمي بأسماء الْأَنْبِيَاء، فقد أنكر على الْمُغيرَة تكنيته بِأبي عِيسَى، وَأنكر على صُهَيْب تكنيته بِأبي يحيى، فَأخْبرهُ كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن رَسُول الله ﷺ كناه بذلك فَسكت. وَكَانَ عمر إِنَّمَا كره من ذَلِك الْإِكْثَار، وَأَن يظنّ أَن للْمُسلمين شرفا فِي الِاسْم إِذا سمى باسم نَبِي، أَو أَنه يَنْفَعهُ ذَلِك فِي الْآخِرَة، فَكَأَنَّهُ استشعر من رَعيته هَذَا الْغَرَض أَو نَحوه. وَهُوَ أعلم بِمَا كره من ذَلِك، وَإِلَّا فقد سمى بِمُحَمد طَائِفَة من الصَّحَابَة مِنْهُم أَبُو بكر وعَلى وَطَلْحَة، وَكَانَ لطلْحَة عشرَة من الْوَلَد كل يُسمى باسم نَبِي، مِنْهُم مُوسَى بن طَلْحَة وَعِيسَى، وَإِسْحَاق، وَيَعْقُوب، وَإِبْرَاهِيم، وَمُحَمّد. وَكَانَ للزبير عشرَة كلهم يُسمى باسم شَهِيد، فَقَالَ لَهُ طَلْحَة: أَنا أسميهم بأسماء الْأَنْبِيَاء وَأَنت تسميهم بأسماء الشُّهَدَاء؟ فَقَالَ لَهُ الزبير: فإنّي أطمع أَن يكون بنى شُهَدَاء وَلَا تطمع أَنْت أَن يكون بنوك أَنْبيَاء. وسمى رَسُول الله ﷺ ابْنه إِبْرَاهِيم. والْآثَار فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة.
وَفِي السّنَن لأبى دَاوُد أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: سموا بأسماء الْأَنْبِيَاء، وَهَذَا مَحْمُول على الْإِبَاحَة لَا على الْوُجُوب. وَأما التسمي بِمُحَمد، فَفِي مُسْند الْحَارِث عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: من كَانَ لَهُ ثَلَاثَة من الْوَلَد وَلم يسم أحدهم بِمُحَمد فقد جهل. وَفِي المعيطي عَن مَالك أَنه سُئِلَ عَمَّن اسْمه مُحَمَّد ويكنى أَبَا الْقَاسِم، فَلم ير بِهِ بَأْسا. فَقيل لَهُ: أكنيت ابْنك أَبَا الْقَاسِم واسْمه مُحَمَّد؟ فَقَالَ: مَا كنيته بهَا، وَلَكِن أَهله يكنونه بهَا. وَلم أسمع فِي ذَلِك نهيا وَلَا أرى بذلك بَأْسا، وَهَذَا يدل على أَن مَالِكًا لم يبلغهُ أَو لم يَصح عِنْده