p. 4239 / 86
الله أن القرآن أمره، وأن أمره القرآن، وقال ﷿: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ ١ يعني القرآن فهذا خبر الله أن القرآن أمره وأن أمره القرآن، وإن هذه أسماء شتى لشيء واحد، وهو الشيء الذي به خلق الأشياء وهو غير الأشياء، وخارج عن الأشياء، وغيره داخل في الأشياء، ولا هو كالأشياء وبه تكون الأشياء، وهو كلامه، وهو قوله، وهو أمره، وهو الحق. وهذا نص التنزيل بلا تأويل ولا تفسير".
قال عبد العزيز: فقال المأمون: "أحسنت أحسنت يا عبد العزيز."
فقال بشر: "يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك، إنه يحب أن يخطب ويهذي بما لا أعقله، ولا أسمعه، ولا التفت إليه، ولا أتى بحجة، ولا أقبل من هذا شيئا. قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاك، من لا يعقل عن الله ما خاطب به نبيه ﷺ، وما علمه لعباده المؤمنين في كتابه، ولا يعلم ما أراد الله بكلامه وقوله، يدعي العلم، ويحتج بالمقالات والمذاهب ويدعو الناس إلى البدع والضلالات"؟.
فقال بشر: "أنا وأنت في هذا سواء، أنت تنتزع بآيات من القرآن لا تعلم تفسيرها ولا تأويلها، وأنا أرد ذلك وأدفعه حتى تأتي بشيء أفهمه وأعقله".
قال عبد العزيز: فقلت: "يا أمير المؤمنين، قد سمعت كلام بشر وتسويته فيما بيني وبينه، (ولقد فرق الله فيما بيني وبينه) وأخبر أنا على غير السواء، قال: وأين ذلك لك من كتاب الله ﷿؟ قلت: قال الله ﷿: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ٢ فأنا والله يا أمير المؤمنين أعلم أن الذي أنزل عليه ﷺ هو الحق، وأومن به، وبشر يشهد على نفسه إنه لا يعلم ذلك ولا يعقله ولا يقبله ولا هو مما يقوم لي به عليه حجة، فلم يقل كما قال الله عزوجل، ولا كما علم نبيه ﷺ أن يقوله، ولا كما قال موسى ﵇، ولا كما قالت الملائكة، ولا كما قال المؤمنون، ولا كما قال أهل الكتاب، ولقد أخبر الله ﷿ عن جهله, وأزال عنه التذكرة, وأخرجه عن جملة أولى الألباب، لكن أمير المؤمنين أطال الله بقاه لما خصه الله به من الفضل