Vol. 2 · p. 128 432 / 594
أَيْ بالبعثِ والقيامةِ والجنةِ والنارِ والحسابِ والميزانِ أَيْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمون أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا كَانَ مِنْ قَبْلِكَ، وَبِمَا جَاءَكَ مِنْ رَبِّكَ: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أَيْ: عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِمْ وَاسْتِقَامَةٍ عَلَى مَا جَاءَهُمْ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] أَيْ: الَّذِينَ أَدْرَكُوا مَا طَلَبُوا ونَجَوْا مِنْ شرِّ مَا مِنْهُ هَرَبُوا. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ: بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ، وَإِنْ قَالُوا إنَّا قَدْ آمَنَّا بِمَا جَاءَنَا قَبْلَكَ. ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] ، أي أنهم كَفَرُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ ذِكْرِكَ، وَجَحَدُوا مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاقُ لَكَ، فَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكَ، وَبِمَا عِنْدَهُمْ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ غَيْرُكَ، فَكَيْفَ يَسْتَمِعُونَ مِنْكَ إنْذَارًا أَوْ تَحْذِيرًا، وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمِكَ. ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ عَنْ الهدَى أَنْ يُصِيبُوهُ أَبَدًا، يَعْنِي بِمَا كَذَّبُوكَ بِهِ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ ربِّك حَتَّى يُؤْمِنُوا بِهِ، وَإِنْ آمَنُوا بكلِّ مَا كَانَ قَبْلَكَ: ﴿وَلَهُمْ﴾ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ من خلافك: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧] .
فَهَذَا فِي الأحْبار مِنْ يَهُودَ، فِيمَا كَذَّبُوا به من الحقِّ بعدَ معرفته.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَمَنْ كَانَ عَلَى أَمْرِهِمْ: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ، فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ٩، ١٠] أَيْ شَكٌّ: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ أَيْ: شَكًّا ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٠، ١١] أَيْ: إنَّمَا نُرِيدُ الإصلاحَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ: مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ، وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ مِنْ يَهُودَ، الَّذِينَ يَأْمُرُونَهُمْ بِالتَّكْذِيبِ بِالْحَقِّ، وَخِلَافِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ أَيْ: إنَّا عَلَى مِثْلِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ أَيْ: إنَّمَا نَسْتَهْزِئُ بِالْقَوْمِ، وَنَلْعَبُ بِهِمْ، يَقُولُ اللَّهُ ﷿: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَعْمَهون: يَحَارُونَ تَقُولُ الْعَرَبُ: رَجُلٌ عَمة وَعَامِهٌ: أَيْ حَيَرَانُ، قَالَ رُؤبة بْنُ العَجاج يَصِفُ بَلَدًا:
أعْمى الهُدى بِالْجَاهِلِينَ العُمَّه
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. فالعُمَّه: جَمْعُ عَامِهٍ: وَأَمَّا عَمِه: فَجَمْعُهُ: عَمِهون. وَالْمَرْأَةُ: عَمِهة وعَمْهاء.
← Previous page Next page → Edition details الكتاب: السيرة النبوية لابن هشام
المؤلف: ابن هشام [ت ٢١٣ هـ]
قدم لها وعلق عليها وضبَطها: طه عبد الرؤوف سعد
الناشر: شركة الطباعة الفنية المتحدة [وأعاد المحقق نشرها -مع تعديلات طفيفة- لدى مكتبة الكليات الأزهرية بالقاهرة، وكذلك نشرتها دار الجيل بيروت، بنفس ترقيم الصفحات]
عدد الأجزاء: ٤ [واقتصرتْ هذه النسخة الإلكترونية على الجزأين الأَولين فقط]
[تنبيهات]:
١ - للمحقق طبعة متقدمة على هذه مع "الروض الأنف" للسهيلي، في ٤ مجلدات من القِطْع الكبير، بترقيم صفحات مختلف، نشر مكتبة ومطبعة شقرون، ونشرتها أيضا مكتبة الكليات الأزهرية بالقاهرة، أشار إليها المحقق ١/ ٣ من هذه الطبعة المفردة
٢ - لدار الجيل طبعة متأخرة عن هذه بصف جديد وترقيم صفحات مختلف
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
Sign up to ask questions across this book and the rest of the library, with answers cited to the volume and page you can open here.