Vol. 1 · p. 296 291 / 594
فِي مِخْدَعٍ لَهُمْ، أَوْ فِي بَعْضِ الْبَيْتِ، وَأَخَذَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ الصَّحِيفَةَ فَجَعَلَتْهَا تَحْتَ فَخِذِها، وَقْدَ سَمِعَ عُمَرُ حِينَ دَنَا إلَى الْبَيْتِ قِرَاءَةَ خَبَّاب عَلَيْهِمَا، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: مَا هَذِهِ الهَيْنَمَة١ الَّتِي سَمِعْتُ؟ قَالَا لَهُ: مَا سمعتَ شَيْئًا، قَالَ: بَلَى وَاَللَّهِ لَقَدْ أُخْبِرْتُ أَنَّكُمَا تَابَعْتُمَا مُحَمَّدًا عَلَى دِينِهِ، وَبَطَشَ بِخَتْنه سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَامَتْ إلَيْهِ أُخْتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ لَتَكُفَّهُ عَنْ زوجِها، فَضَرَبَهَا فَشَجَّهَا، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ قَالَتْ لَهُ أُخْتُهُ وخَتْنه: نَعَمْ قَدْ أَسْلَمْنَا وَآمَنَّا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ. فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا بِأُخْتِهِ مِنْ الدَّمِ نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ، فَاِرْعَوى، وَقَالَ لِأُخْتِهِ: أَعْطِينِي هَذِهِ الصَّحِيفَةَ الَّتِي سَمِعْتُكُمْ تَقْرَءُونَ آنِفًا أَنْظُرْ مَا هَذَا الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، وَكَانَ عُمَرُ كَاتِبًا، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ، قَالَتْ لَهُ أُخْتُهُ: إنَّا نَخْشَاكَ عَلَيْهَا، قَالَ: لَا تَخَافِي، وَحَلَفَ لَهَا بِآلِهَتِهِ ليردَّنَّها إذَا قَرَأَهَا إلَيْهَا، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ، طَمِعَتْ فِي إسْلَامِهِ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَخِي، إنَّكَ نَجِسٌ، عَلَى شِرْكِكَ، وَإِنَّهُ لَا يَمَسُّهَا إلَّا الطاهرُ٢، فَقَامَ عُمَرُ فَاغْتَسَلَ، فَأَعْطَتْهُ الصحيفةَ، وَفِيهَا: "طَه" فَقَرَأَهَا، فَلَمَّا قَرَأَ مِنْهَا صَدْرًا، قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَكْرَمَهُ! فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ خَبَّابٌ خَرَجَ إلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عُمَرُ، وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ خصَّك بدعوةِ نَبِيَّهُ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ أَمْسِ وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَيِّدْ الِإسلام بِأَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ، أَوْ بِعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ"، فَاَللَّهَ اللَّهَ يَا عُمَرُ. فَقَالَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ عُمَرُ: فَدُلَّنِي يَا خبَّاب عَلَى مُحَمَّدٍ حَتَّى آتيَه فَأُسْلِمَ، فَقَالَ لَهُ خَبَّاب: هُوَ فِي بَيْتٍ عِنْدَ الصَّفَا، مَعَهُ فِيهِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. فَأَخَذَ عُمَرُ سَيْفَهُ فَتَوَشَّحَهُ، ثُمَّ عَمَدَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، فَضَرَبَ عَلَيْهِمْ الْبَابَ، فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ قَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَظَرَ مِنْ خَلَلِ الْبَابِ فَرَآهُ متوشِّحًا السَّيْفَ، فَرَجَعَ إلَى رسول الله ﷺ وهو فَزِعٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ متوشِّحًا السَّيْفَ، فَقَالَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: فأذنْ لَهُ، فَإِنْ كَانَ جَاءَ يريد خيرًا بذلناه له، وإن كان يُرِيدُ شَرًّا قَتَلْنَاهُ بِسَيْفِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ائذنْ لَهُ، فَأَذِنَ له الرجل،
Footnotes
١ الهينمة: كلام لا يفهم، واسم الفاعل منه مهينم، كأنه تصغير، وليس بتصغير.
٢ قال السهيلي عند الكلام على تطهير عمر ليمس القرآن، وقول أخته له: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] : والمطهرون في هذه الآية هم الملائكة، وهو قول مالك في الموطأ، واحتج بالآية الأخرى التي في سورة عبس ولكنهم وإن كانوا الملائكة، ففي وصفهم بالطهارة مقرونًا بذكر المس ما يقتضي ألا يمسه إلا طاهر اقتداء بالملائكة المطهرين، فقد تعلق الحكم بصفة التطهير، ولكنه حكم مندوب إليه، وليس محمولًا على الفرض، وإن كان الفرض فيه أبين منه في الآية؛ لأنه جاء بلفظ النهي عن مسه على غير طهارة. راجع: الروض الأنف، من تحقيقنا ج٢ ص ٩٨-٩٩".
← Previous page Next page → Edition details الكتاب: السيرة النبوية لابن هشام
المؤلف: ابن هشام [ت ٢١٣ هـ]
قدم لها وعلق عليها وضبَطها: طه عبد الرؤوف سعد
الناشر: شركة الطباعة الفنية المتحدة [وأعاد المحقق نشرها -مع تعديلات طفيفة- لدى مكتبة الكليات الأزهرية بالقاهرة، وكذلك نشرتها دار الجيل بيروت، بنفس ترقيم الصفحات]
عدد الأجزاء: ٤ [واقتصرتْ هذه النسخة الإلكترونية على الجزأين الأَولين فقط]
[تنبيهات]:
١ - للمحقق طبعة متقدمة على هذه مع "الروض الأنف" للسهيلي، في ٤ مجلدات من القِطْع الكبير، بترقيم صفحات مختلف، نشر مكتبة ومطبعة شقرون، ونشرتها أيضا مكتبة الكليات الأزهرية بالقاهرة، أشار إليها المحقق ١/ ٣ من هذه الطبعة المفردة
٢ - لدار الجيل طبعة متأخرة عن هذه بصف جديد وترقيم صفحات مختلف
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
Sign up to ask questions across this book and the rest of the library, with answers cited to the volume and page you can open here.