Skip to main content
← Arabic Library

المستصفى

أبو حامد الغزالي (ت 505هـ)

أصول الفقه381 pagesPagination matches the printed edition

p. 210208 / 381
عَلَى بَرِيرَةَ، وَتَوَهُّمٌ، فَلَيْسَ فِي قَوْلِهَا إلَّا اسْتِفْهَامٌ أَنَّهُ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى تُطِيعَ طَلَبًا لِلثَّوَابِ أَوْ شَفَاعَةٌ لِسَبَبِ الزَّوْجِ حَتَّى تُؤْثِرَ غَرَضَ نَفْسِهَا عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ شَفَاعَةُ الرَّسُولِ ﵇ أَيْضًا مَنْدُوبٌ إلَى إجَابَتِهَا، وَفِيهَا ثَوَابٌ. قُلْنَا: وَكَيْفَ قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، وَالْمُسْلِمُ يَحْتَاجُ إلَى الثَّوَابِ فَلَا يَقُولُ ذَلِكَ، لَكِنَّهَا اعْتَقَدَتْ أَنَّ الثَّوَابَ فِي طَاعَتِهِ فِي الْأَمْرِ الصَّادِرِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِيمَا هُوَ لِلَّهِ لَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ، أَوْ عَلِمَتْ أَنَّ ذَلِكَ فِي الدَّرَجَةِ دُونَ مَا نُدِبَتْ إلَيْهِ فَاسْتَفْهَمَتْ أَوْ أُفْهِمَتْ بِالْقَرِينَةِ أَنَّهَا شَكَّتْ فِي الْوُجُوبِ فَعَبَّرَتْ بِالْأَمْرِ عَنْ الْوُجُوبِ فَأُفْهِمَتْ. ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﵇ «لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ، وَإِلَّا فَهُوَ مَنْدُوبٌ. قُلْنَا لَمَّا كَانَ قَدْ حَثَّهُمْ عَلَى السِّوَاكِ نَدْبًا قَبْلَ ذَلِكَ أَفْهَمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْأَمْرِ مَا هُوَ شَاقٌّ أَوْ كَانَ قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ إنَّكَ لَوْ أَمَرْتَهُمْ بِقَوْلِكَ: اسْتَاكُوا لَأَوْجَبْنَا ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَعَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ يَجِبُ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ إطْلَاقِهِ صِيغَةَ الْأَمْرِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﵇ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَمَّا دَعَاهُ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يُجِبْهُ: " أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ « ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] ؟» فَكَانَ هَذَا التَّوْبِيخُ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ. قُلْنَا: لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ أَمْرٌ بَلْ مُجَرَّدُ نِدَاءٍ، وَكَانَ قَدْ عَرَّفَهُمْ بِالْقَرَائِنِ تَفْهِيمًا ضَرُورِيًّا وُجُوبَ التَّعْظِيمِ لَهُ، وَأَنَّ تَرْكَ جَوَابِ النِّدَاءِ تَهَاوُنٌ، وَتَحْقِيرٌ بِأَمْرِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ كَانَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِتْمَامُ الصَّلَاةِ وَاجِبٌ، وَمُجَرَّدُ النِّدَاءِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ بَلْ يَجِبُ تَرْكُهُ بِمَا هُوَ أَوْجَبُ مِنْهُ كَمَا يَجِبُ تَرْكُ الصَّلَاةِ لِإِنْقَاذِ الْغَرْقَى، وَمُجَرَّدُ النِّدَاءِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَمِنْهَا قَوْلُ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ أَحَجُّنَا هَذَا لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ ﵇: " لِلْأَبَدِ، وَلَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَ " فَدَلَّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَوَامِرِهِ لِلْإِيجَابِ. قُلْنَا: قَدْ كَانَ عُرِفَ وُجُوبُ الْحَجِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] ، وَبِأُمُورٍ أُخَرَ صَرِيحَةٍ، لَكِنْ شُكَّ فِي أَنَّ الْأَمْرَ لِلتَّكْرَارِ أَوْ لِلْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، فَإِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ عَيَّنَ الرَّسُولُ ﵇ أَحَدَهُمَا لَتَعَيَّنَ، وَصَارَ مُتَعَيِّنًا فِي حَقِّنَا بِبَيَانِهِ فَمَعْنَى قَوْلِهِ لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَ " أَيْ: لَوْ عَيَّنْتُ لَتَعَيَّنَ. الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَاعِ زَعَمُوا أَنَّ الْأُمَّةَ لَمْ تَزَلْ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ تَرْجِعُ فِي إيجَابِ الْعِبَادَاتِ، وَتَحْرِيمِ الْمَحْظُورَاتِ إلَى الْأَوَامِرِ، وَالنَّوَاهِي، كَقَوْلِهِ: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ، وَغَيْرِهَا وَ ﴿وقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] وَ ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران: ١٣٠] ﴿، وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] ﴿، وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ﴿، وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] ، وَأَمْثَالِهِ، وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا وَضْعٌ، وَتَقَوُّلٌ عَلَى الْأُمَّةِ، وَنِسْبَةٌ لَهُمْ إلَى الْخَطَأِ، وَيَجِبُ تَنْزِيهُهُمْ عَنْهُ. نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ يَصْدُرَ ذَلِكَ مِنْ طَائِفَةٍ ظَنُّوا أَنَّ ظَاهِرَ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا فَهِمَ الْمُحَصِّلُونَ، وَهُمْ الْأَقَلُّونَ ذَلِكَ مِنْ الْقَرَائِنِ، وَالْأَدِلَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ قَطَعُوا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ، وَتَحْرِيمِ الزِّنَا، وَالْأَمْرُ مُحْتَمِلٌ لِلنَّدْبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْضُوعًا لَهُ، وَالنَّهْيُ يَحْتَمِلُ التَّنْزِيهَ، وَكَيْفَ قَطَعُوا مَعَ الِاحْتِمَالِ لَوْلَا أَدِلَّةٌ قَاطِعَةٌ، وَمَا قَوْلُهُمْ إلَّا كَقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّهُمْ حَكَمُوا بِالنَّدْبِ فِي الْكِتَابَةِ وَالِاسْتِشْهَادِ، وَأَمْثَالِهِ لِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَالْأَوَامِرُ الَّتِي حَمَلَتْهَا الْأُمَّةُ عَلَى النَّدْبِ أَكْثَرُ فَإِنَّ النَّوَافِلَ، وَالسُّنَنَ، وَالْآدَابَ أَكْثَرُ مِنْ الْفَرَائِضِ، إذْ مَا مِنْ فَرِيضَةٍ إلَّا، وَيَتَعَلَّقُ

Contents

Edition details

الكتاب: المستصفى المؤلف: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (ت ٥٠٥ هـ) تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي الناشر: دار الكتب العلمية الطبعة: الأولى، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م عدد الصفحات: ٣٨٣ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

Sign up to ask questions across this book and the rest of the library, with answers cited to the volume and page you can open here.